News

كارثة 67 وما هو أسوأ من كارثة 67

طارق علي حسن
History
27-April-2019

كارثة 67 وما هو أسوأ من كارثة 67

 

لا يختلف اثنان على أن سنة 1967 كانت كارثة ،ولكن العجب العجاب أن الغالبية تنسى أو تتناسى بسهولة أننا نعيش كارثة أكبر من الكارثة.

فليست المصيبة الكبرى هي أن تحدث كارثة ،ولكن المصيبة أن نتعامى عن الأسباب الحقيقية للكارثة ،والمصيبة الأكبر أن تستمر كل الأحوال والديناميات والقوى والآليات التي أدت إلى الكارثة كما هي دون تغيير أو تطهير.

وأول طريق الاختزال المرضي لقدرتنا على معرفة أسباب الكارثة وتجنب كارثة ألا نتعلم منها هو أنه تم غسيل مخنا ،ومخ العرب جميعاً على تسمية الكارثة "عدوان 67" دون أن يذكر أو يتذكر أحد أن مصر المختزلة تماماً في شخص رئيسها العبقري هي التي أخذت المبادرات بسحب البولي الدولي ،وغلق خليج العقبة ،وانتقال الجيش وفرق المدرعات الهائلة إلى الحدود الشرقية في أقاسي سيناء.

ولا أتصور أي طالب في سنة عسكرية لا يعرف بأن هذه الإجراءات هي بمثابة إعلان الحرب ،وبالتالي الادعاء بالخيانة وبالضربة الفجائية التي يغسلون مخنا عليه ،هو ادعاء كاذب مائة في المائة.

أما عن ديناميكيات العلاقة بين البطل الملهم التي اختزلت الأمة في شخصه ،وبين صديق عمره عبد الحكيم عامر الذي وضعه على قمة الجيش ،وعلى قمة القمم لغير سبب ما سوى ما اعتقد أنه ولائه المطلق لصاحبه ،فقد تحول بالتدريج إلى مركز قوى جبارة ،لا يحدث شيء في البلد إلا بأمره وموافقته ،وتشكل الجيش بأسره من ضباط في المراكز الحساسة مواصفاتهم الأساسية أنهم يدينون بالولاء المباشر له ،ويعلم الله وحده عن الديناميات بين الزعيم الملهم ،وحبيبه وصديق عمره عبد الحكيم عامر الذي دفع عبد الناصر إلى إلغاء الجيش المصري والقضية الفلسطينية في أتون مغامرة غير مبررة بكل المقاييس.

وسأظل أعجب كيف يصمت هذا الشعب وأجهزته ،ومؤسساته على حالة يلقي فيها الزعيم الملهم ببلاده ووطنه والمنطقة بأسرها في أتون حرب مدمرة يذهب ضحيتها عشرات الآلاف من الشهداء ،وتتحول بها إسرائيل من دولة صغيرة تستجدي الأمان والاعتراف ،إلى دولة عظمى تمثل قوى الهيمنة في المنطقة ناهيك عن فقدان الضفة والقدس والجولان.

ما هي الآليات التي تسمح لرجل واحد من أجل تسوية حسابات مع صديق العمر السابق أو من أجل غضبه لكرامة أبو خالد العظيم حين يعيره العرب بأن بواخر إسرائيل تمر من خليج العقبة ،فيغضب غضبة مضربة ويلقي بنفسه وبلاده وقضاياها في أتون الانتحار والقرارات الحمقاء.

ما هي الآليات التي تضع كل هذه المصائر في يد رجل واحد ،والسؤال أين كانت أصوات قيادات هذا البلد الطبيعية ومؤسساته لتقوم بدورها في كبح جماح رئيس الجمهورية حين يتورط في سلسلة من القرارات المصيرية بالغة الضرر؟

والإجابة البسيطة أننا كنا نتغنى بمقولة "لا صوت يعلو فوق صوت المعركة "،ولكن الحقيقة كانت لا صوت يعلو على صوت رئيس الجمهورية ،دون أن نتعلم من قراءة التاريخ أن هذه المعادلة كانت أبعد ما تكون عن الإخلاص الحقيقي لرئيس الجمهورية الذي يترك هكذا دون تغذية مرتجعة تؤدي إلى تصحيح البصيرة ،ودون معارضة واعتراض يؤديان إلى تصحيح المسار.

ويحمل مجتمع كارثة 67 التي سموها النكسة خداعاً ،يحمل هذا المجتمع عار أنه لم يكن في مصر من يستطيع أن يقف من مؤسسات أو برلمان أو أشخاص ينبهون الزعيم إلى مدى مخاطر وخطأ قراراته في مايو ويونيو 67 ،وكانت كلها قرارات فردية بالكامل ،وهي معادلة أكيدة للكارثة تحركها ديناميات فردية تشمل قدر متصاعد من العداء وعدم الثقة والتخوف من قائد جيش غير كفء ،بدا صديقاً وتابعاً مخلصاً ،ثم تحول إلى مركز قوى جبار ينافس قوة الرئيس نفسه.

ونهرب في الأغلب الأعم من مراجعة صحف هذه المرحلة الرهيبة بسبب بسيط وواضح ،وهو أننا نجد في هذه الصحف من الأكاذيب والادعاءات ما يكفي لإدانة أمة وعصر ونظام بأكمله ،ومع ذلك لا نراجع العناوين الكاذبة الفاضحة لسبب بسيط وهو أن صحافتنا وأجهزة إعلامنا المرئي والمسموع تمارس نفس هذه الأكاذيب بلا بصيرة للضرر الفادح الذي أحدثته هذه الأكاذيب في المجتمع وفي أدائه تجاه العدو والصديق ،بدرجة أنه لم يعد العدو يخشانا ،ولا الصديق يرجو مننا أي فائدة خلاقة إلا مجرد التبعية.

كذبت صحفنا وأجهزة إعلامنا في  كل مجال -كما تكذب الآن -وهذه من عناصر الكارثة التي نقول أنها أكبر من كارثة 67.

أفلم نتعلم بعد أن تحول أجهزة الإعلام المقروءة والمسموعة والمرئية إلى مجرد أبواق للسلطة ،وهو مفتاح للهزائم والكوارث؟

أفلم نتعلم أن سحب التمكين بالقوانين والتشريعات المنحرفة من كافة عناصر ومؤسسات الشعب من أجل اختزال الوطن كله في شخص الزعيم أو الحلقة الحاكمة ،أو ما يسمونه النظام هو شريك مباشر في كارثة 67 ؟

ومع هذا فواحد وأربعون سنة بعد الكارثة نحن في نفس الخندق محلك سر ،والذي أضفناه هو كم كبير من الإصلاحات المظهرية التي تقدم كافة المظاهر المطلوبة لمجتمع تعددي مشارك ،مع بقاء الوطن رغم اختلاف الشكل مختزلاً في شخص رئيس الجمهورية الذي يملك كافة السلطات والصلاحيات ،وبقاء المواطنين في حالة سلب كامل للتمكين ،وحرمان كامل من الإحساس بالطمأنينة لسيادة دستور تطوري حديث يحمل حقوق المواطن وحدد واجباته.

ولا ننسى أن أداء الجيش المصري في 1948 في ظل العصر الملكي كان بكل المقاييس أفضل بكثير من أداء الجيش المصري في 1967 بعد خمسة عشر عاماً من التسليم الكامل للحكم العسكري.

ولا ننسى أيضاً أنه من غير الصحيح ولا المقبول إرجاع انتصارات 1973 المبدئية إلى الحكم العسكري والديكتاتورية المستمرة ،بل ترجع انتصارات 73 الأولية العظيمة إلى الغضبة المشروعة لشباب مصر المستنير ،والذي أحس بالغضب المشروع للمهانة والامتهان الذي نالته مصر بعد 67 والاحتلال.

وقد تكررت المأساة أيضاً حينما تم سلب واختزال النصر العظيم الذي حققه أولاد مصر الغاضبون في 73 عن طريق انفراد الزعيم بالقرار ،وبالقناعة أنه وحده ووحده فقط هو العارف بالخطأ والصواب في كل الأمور دوناً عن مؤسسات تم تحييدها وسحب التمكين منها ،وعن أفراد وقيادات تعلمت الانصياع والسير "جنب الحيط".

ورغم كل ما حدث ويحدث تستمر المقاومة لتمكين الشعب ومؤسساته ،ويستمر الاستمرار المميت لنظام يختزل الوطن في شخص فرد وحيد أوحد ،ربما سمح بالتدريج بتوسيع دائرة السلطة والقرار ،ولكن لا للشعب ككل ،فالنظام أبعد ما يكون عن ذلك ،ولكن لمجموعة صغيرة من أصحاب المصالح ورؤوس الأموال ممن يحصلون على الثقة التامة والشهادة الكاملة بالولاء والإخلاص.

وقد أدت هذه التركيبة كما نعلم إلى كوارث لا تقل شناعة عن 67 ،بل تضيف إليها ،وأولها قيام مصر بدور مخلب القط في حرب الخليج الأولى 1992 ،وقد كان بإمكان مصر والجامعة العربية منع هذه الحرب ،والاتفاق مع الديكتاتور الخطأ صدام حسين على الانسحاب من الكويت ،ولكن الإرادة الأمريكية كانت قد استقرت على احتلال منابع البترول في المنطقة ،وكان لا بد من الاستجابة للإرادة الأمريكية رغم كل ما نتشدق به من شعارات.

وقد جنت مصر ثمناً زهيداً بخساً ،وهو التنازل الأمريكي الكريم عن بعض الديون التي أثقلت كاهلها وكادت تقودها إلى الإفلاس.

وهذا في حد ذاته من العجب العجاب ،ودليل على سوء الإدارة التي تتميز به الديكتاتورية التي تسحب التمكين من الشعب ،فمصر بكل المعايير والمقاييس دولة غنية بالثروة البشرية المهدرة من جهة ،وبالثروات الطبيعية التي أغدقها على مصر الله سبحانه وتعالى ،بالإضافة إلى معطيات تاريخ وجغرافيا لا تتوفر في أي مكان آخر.

والسؤال هل تعلمنا من كوارث الانفصال السوري 1961 ؟والهزيمة الماحقة في 1967 وما سبقها من صراع شخصي بين عبد الحكيم عامر وجمال عبد الناصر ؟يليها إهدار مكاسب 1973 ،يليها حرب الخليج الأولى ،ويليها أيضاً حرب الخليج الثانية واحتلال العراق بالكامل.

هل تعلمنا من هذه الكوارث أم أننا نتروى في كارثة هي أقصى من كل هذه الكوارث مجتمعة ،ألا وهي كارثة استمرار النظام والأنماط التي أدت إلى الكارثة الأولى؟

وأتعجب حين أجد في التاريخ أمثلة كثيرة لأمم ودول ومجتمعات قادتها النظم إلى كوارث متعددة الأنواع ،فكان لها من بعد النظر والبصر والبصيرة ما أتاح لها أن تعيش وتعاني مخاض التغيير الحقيقي ،والتطهر من الأنماط التي أدت إلى الكوارث.

أنظر إلى إيطاليا وألمانيا واليابان بعد كارثة الحرب العالمية الثانية ،وأنظر إلى أسبانيا بعد عقود الحكم الديكتاتوري ،ونفس الشيء في الأرجنتين والبرتغال ،وأنظر إلى روسيا بعد عقود الحكم الشيوعي والديكتاتورية الاستنالية.

قد يقول قائل ولكن هذه الدول عانت من مخاض التغيير معاناة هائلة واضطرابات ودمار وصراعات تصل إلى الحرب الأهلية ،وتصل إلى صراعات لا قبل لنا بها.

والرد أننا لا نعرف في العلم ولا في علم الاجتماع مخاض وميلاد بدون ألم ومعاناة ،ولكن يأتي دور المعرفة بالتاريخ وبحكمة التاريخ وبفلسفة التاريخ في تخفيض حجم المعاناة إلى الحد الأدنى ،وفي تأكيد الطبيعة السليمة للتحولات الصعبة والمؤلمة.

يدعم كل ذلك الإيمان بالتغيير وبضرورة التغيير ،والإيمان بقيمة الإنسان والمواطن في مجتمعنا ،وكلها معطيات إلى أن وجدت فلا بد من الوصول إلى إنجاز التغيير السلمي الحقيقي إلى الحكم المدني التعددي في ظل الدستور الحديث ،وفي ظل الأمن والأمان والحقوق الكاملة لكل مواطن بلا استثناء.

لقد عانت مصر ما عانت من الديكتاتورية العسكرية ،ويحق لها أن تحلم من جديد بالدولة المدنية التعددية في ظل دستور يتفوق على دستور 1923 ،وهو ما لم نحصل عليه حتى هذه اللحظة ،فهل يتحقق هذا الأمل؟


Comments