News

الفرق بين الحق وطريق الحق

طارق علي حسن
Discussions
16-June-2019

الفرق بين الحق وطريق الحق

 

مجال محوري لو احتاجت إليه أي أمة من الأمم لوصلت إلى الخير العميم ،وفي تقديري المتواضع لوصلت إلى مراد الدين.

الحيوي هنا هو الاهتداء إلى الخيط الرفيع بين الحق وطريق الحق ومن الهام أن نعي أن كلنا وكل البشرية على طريق الحق في مراكز ومستويات متفاوتة ،ولكن الحق النهائي المطلق لا يعرفه الإنسان في رحلة الحياة بل يسعى إليه سعياً حتى يلاقيه مخلصاً أو هارباً ولكنه يسعى إليه أو هروباً منه فيلاقيه حتماً ،والملاقاة هي لحظة الموت {وَجَاءتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنتَ مِنْهُ تَحِيدُ (19) وَنُفِخَ فِي الصُّورِ ذَلِكَ يَوْمُ الْوَعِيدِ (20) وَجَاءتْ كُلُّ نَفْسٍ مَّعَهَا سَائِقٌ وَشَهِيدٌ (21) سورة قلَقَدْ كُنتَ فِي غَفْلَةٍ مِّنْ هَذَا فَكَشَفْنَا عَنكَ غِطَاءكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ} (22) سورة ق

ولا يستثنى مما تقدم إلا الأنبياء الذين يصلون إلى الحق ثم يتحملون التضحية الجسيمة بأن يظلوا قائمين بين البشر يعلمونهم الحكمة وطرق ومسالك الحق ،وهي تضحية عظمى لا يقدر عليها ولا يكلف بها إلا الأنبياء.

ومن هنا فإن معظم أخطاء المسيرة البشرية المأساوية تنبع من اعتقاد جماعة ما بأنهم وصلوا إلى الحق المطلق وأنهم يحتكرون هذا الحق لأنهم دون غيرهم الذين هم بالضرورة آثمون وعلى خطأ.

ولو اهتدت قيادات المجتمعات البشرية المتنافرة وفقهائها إلى المعادلة البسيطة أننا نسير في طريق الحق دون أن يحيط به أو يحتكره أحد لانبثقت بطريقة طبيعية مسالك إلى الهارمونية والتناسق إلى أمم وشعوب العالم بطريقة جديدة تماماً بالنسبة لما تعودنا عليه بالنسبة للتاريخ المأساوي. {يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ} (13) سورة الحجرات

{الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَن يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ} (40) سورة الحـج

{وَلَوْ يُعَجِّلُ اللّهُ لِلنَّاسِ الشَّرَّ اسْتِعْجَالَهُم بِالْخَيْرِ لَقُضِيَ إِلَيْهِمْ أَجَلُهُمْ فَنَذَرُ الَّذِينَ لاَ يَرْجُونَ لِقَاءنَا فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ} (11) سورة يونس

ويدعم القرآن الكريم هذا المفهوم الرفيه والهام في تأكيده أنه ما من أمة أو مجتمع إلا ولها رسول أو نبي يهديها إلى طريق الحق ،ولم يكن يتصور أن الله سبحانه وتعالى يحرم أي مجتمع بشري من إشراقه إلى طريق الهداية والحق.

ويؤكد هذا المعنى العظيم في ختام صورة البقرة التي يؤكد بعض الفقهاء والمفسرين أنها جاءت من تحت العرش مباشرة وهي أرقى وأرفع وأجمل ما أعرفه في الأديان {آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللّهِ وَمَلآئِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّن رُّسُلِهِ وَقَالُواْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ (285) لاَ يُكَلِّفُ اللّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لاَ تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلاَ تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلاَ تُحَمِّلْنَا مَا لاَ طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَآ أَنتَ مَوْلاَنَا فَانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ (286) } سورة البقرة

والمعنى مع أبعاده الأخرى العظيمة يؤدي إلى أن على كل الأطراف الساعين في طريق الحق أو في طرق الحق أن يحترموا بعضهم البعض وأن يحترم كل منهم طريق الآخر بلا تأثيم أو احتكار.

حوار الأديان الذي يتكلم عنه الجميع دون التعمق في طبيعته أو في مدى إمكانيته حقاً حتى أنه أصبح ممارسة جديدة لعديد من رجال الدين من مختلف الأديان.

والتعمق في هذا المفهوم يأخذنا إلى نقطة فلسفية بل ورياضية محتومة ،وهو أن الحوار بين الأديان غير ممكن بدون تطوير وتطور المنظور الفلسفي والمفاهيمي إلى الدين وإلى ماهية الدين.

معادلة بسيطة جداً تقول لنا أنه من المستحيل الحوار بين طرفين يعتقد كل طرف منهم أنه يمتلك بالكامل ناصية الحق المطلق.

كيف يكون إذن الحوار ؟والنتيجة محسوبة مسبقاً بين أطراف هذا الحوار المأمول والذي لن يحدث أبداً بدون التطور الذي  نتكلم عنه ،ومن هنا تأتي أهمية ما ذكرناه في المقال من جوهرية التفرقة بين الحق وطريق الحق.

فكلنا في رحلة الحياة نسعى إلى الحق بإذن الله ،وبدون أن نعترف أن هناك أكثر من طريق للوصول إلى الحق وأن على كل الأطراف احترام الطرق المختلفة شريطة المعادلة بالمثل أن نقدم الاحترام الكامل للطريق الذي نختاره ونثق به ،فلن تكون أبداً في سبيل إنشاء مجتمع عالمي حواري ولكن بسبيل تغذية فكرة من أسوأ الأفكار الاستعمارية الحديثة والتي بكل أسف تمكنت من بعض المجموعات في الدول المهيمنة ألا وهي صراع الحضارات وصراع الثقافات وصراع الأديان.

وهي فكرة نراها مدمرة ويجدر أن نكون على وعي كامل لكي لا نسقط فيها ،ونواجه هذه الفكرة المدمرة بالمفهوم والنموذج الذي قدمناه في هذا المقال.

 


Comments