News

من هم أولى بالشرعية الثورية ؟ ثوار 25 يناير 2011 أم ضباط حركة 1952

طارق علي حسن
Political and Social
18-December-2018

من هم  أولى بالشرعية الثورية ؟

ثوار 25 يناير 2011 أم ضباط حركة 1952

في 52 انتزع الضباط الشبان الذين جاءوا إلى الحكم في انقلاب ناجح تبعه بلا جدال تعضيد شعبي كبير،انتزعوا لأنفسهم  حق الشرعية الجديدة بل وحق ممارسة السلطة المطلقة وتبعها حق إلغاء الدستور وإلغاء الأحزاب وحل البرلمان ،وقد رضي الشعب بذلك آنذاك ،وهو في نشوة وسكرة السعادة بطرد الملك ،على وعود مغلظة أن إلغاء الدستور والأحزاب ومجلس قيادة الثورة المؤقت بما انتزعه من شرعية "بإسم الشعب" هو الطريق إلى تحرير الحياة الحزبية لهذا الشعب العظيم مصدر السلطات الذي لم يكف منذ 1919 عن المطالبة بالحرية والديمقراطية والدستور والعدالة ،وبسرعة وبطرق بالغة الذكاء تم النكوص عن كل هذه الوعود فيما سمى بالمرحلة الانتقالية للثورة وللإصلاحات ،والخطوات العلوية الضرورية لتحقيق حلم الدستور وسلطة الشعب.

والمهم في هذا المنعطف هو أن ضباط 23 يوليو 1952 ،الذين أخذوا الوصاية على الثورة الشعبية ،أعطوا أنفسهم -بلا شرعية حقيقية آنذاك -إلا ما منحهم الشعب من ثقة ،وبتعضيد من أكبر فقهاء الدستور آنذاك وهو السنهوري ،التصريح بممارسة ما سمي بالشرعية الثورية ،وأدى هذا التسيب من قبل الشعب الثائر مع بعض الخيانات الموثقة التي لا مجال لمناقشتها الآن إلى تحول الانقلاب الذي تبناه الشعب فأصبح ثورة ثم تمكن من خيوط السلطة بدعوى الشرعية الثورية ،بدلاً من أن يكون رأس الحربة في مسيرة دءوبة نحو الدستور والديمقراطية ،تحول إلى  توليد ديكتاتورية عسكرية عنيفة تمسك بزمام كل السلطات بكل ما تحمله الديكتاتوريات من فوائد مبهرة مغرية قصيرة الأمد ومن فساد وكبائر وبلاء أكبر على الأمد الطويل يشمل تدمير شخصية المواطن وسيادة دولة الخوف بالإضافة إلى المغامرات الخارجية الكارثية  كما علمنا ويعلمنا التاريخ بكل وضوح.

هل نكرر إذن أخطاء ومآسي الماضي ونعمل على تهميش تدريجي لأصحاب الثورة الحقيقيين في عملية انتقال السلطة والشرعية ؟نذكر أن حالات الفوضى وانعدام الوزن التي تصاحب زوال عهد وميلاد عهد جديد شيء طبيعي ومؤقت وبلا خطورة إذا عولج بحكمة مع سرعة تمكين أصحاب المصلحة الحقيقية في نجاح وفلاح القواعد العريضة الوسطية من الشعب التي هي بدون أجندات عقائدية تعصبية وأجندتها الوحيدة الحرية والديمقراطية والعدل ودستورها وآلياتها ،وما يصاحبها مؤكداً من ازدهار اقتصادي وإنساني وكرامة للوطن والمواطن .لماذا نتباطأ في تفعيل آليات المشاركة الحقيقية في عملية انتقال السلطة وتفعيل الثورة بخطوات التمكين للثوار الذين يمثلون قواعد شعبية عريضة حقيقية وظاهرة في كل مكان وعلى أقل تقدير لماذا نعزل الثوار عن المشاركة الواضحة الشفافة وعن الحوار متعدد الأوجه ونظل أساري لمنظور الوصاية و للقرارات الفوقية بلا ديناميات مفهومة.

بعد أن جربنا اختطاف الشرعية الثورية منذ مارس 1954 ننادي بضرورة العمل الدءوب ثاقب الرؤية من أجل انتقال الشرعية الثورية الجديدة إلى أصحابها الشرعيين أي إلى الأجيال الجديدة العريضة التي أثبتت نفسها جديرة وراغبة وقادرة على التغيير ،حتى لا نتوه وتتوه منا الثورة المعجزة في تفاصيل وفرعيات مصطنعة ومتعمدة أحياناً ،للإلهاء ولسرقة الثورة مرة أخرى أو على الأقل "لبقاء الحال على ما هو عليه "مع بعض التغييرات في الوجوه ،وتستعمل في هذا الطريق فزاعات عديدة لا نقلل من أهميتها ولا من أهمية العمل من أجل حل معضلاتها مثل الاستقرار الأمني والنمو الاقتصادي ودوران عجلة الإنتاج والالتزام ومواجهة التعصب والفتنة المصنعة والمغرضة ولكن مع كل هذه الفزاعات والمخاطر لابد أن نعمل بلا كلل مسترشدين بالوعي أن ما حدث بمصر منذ 25 يناير هو حدث جلل وعظيم أخشى أن الكثيرين  - حتى أصحابه و أبطاله -لا يدركون مدى الكنوز الكامنة في الحدث الفريد المعلم للعالم كله.

إذا كانت ثورة عرابي انتكست ثم تحولت على انكسار واستعمار وثورة 1919 أسميناها ثورة منتكسة أو غير مكتملة و ثورة 1952 أسميناها وأسمتها الوقائع ثورة منتكسة فحاشا الله ألف مرة أن ينجح قصر النظر في القيادات أو في القواعد في تحويل ثورة 25 يناير إلى ثورة منتكسة أو ثورة غير مكتملة تنتج جنينا ناقصاً مشوهاً متعجلاً يقصر عن حلم الحرية و الديمقراطية و العدل ثورة 25 يناير 2011 ،هذا الإنجاز المعجز المعلم يطالب وينادي ويستحق أن يؤدي إلى ميلاد مكتمل صادق لمصر الجديدة حقاً مصر الثورة وما بعد الثورة ،ولنذكر أن الثورة تحتم قفزة مفاهيمية وثقافية وأدائية وإعلامية وتعليمية ضخمة في كل المجالات ،علينا أن نركز في طرق تحقيقها و في تمكين أصحاب الفكر الجديد من كل الأعمار من الأمناء على تحقيقها ،بدلاً من تشتيت التركيز في قضايا فرعية قد تكون مصنعة ومدسوسة عمداً للتمويه ،وعلينا الاهتمام بالأولويات لكي لا تتحول "الثورة" بالتدريج الغير محسوس ،إلى مجرد ومضات بديعة و ذكريات جميلة، أو أليمة مأساوية، بلا متابعة، بينما يجري اختزال الثورة في إجراءات ،دراماتيكية إعلامياً ،تجاه بعض رموز النظام السابق دون أن تصاحبها آليات تنوير وتثقيف وتأريخ علمي حقيقي لكيفية تردي الأحوال إلى ما تردت إليه ومعرفة آليات التردي التي هي أهم عطاء منتظر من محاكمات شفافة  وعلنية، هو ما ينير الطريق لآليات الخروج و آليات منع التكرار مع تمكين ذكي ومتصاعد لصانعي الثورة الحقيقيين ،ولن تتم الثورة إلا مع القفزة المفاهيمية الثقافية التعليمية الإعلامية التي لا تأتي بالتمني و لكن بتمكين الثوار أصحاب المشروعية الحقيقية وفي النهاية تفعيل أن "الشعب مصدر السلطات".  

 

Comments