News

ازدواجية المعايير تفرضها النظم الغير متكيفة مع الواقع المادي

طارق علي حسن
Discussions
8-June-2019

ازدواجية المعايير تفرضها النظم الغير متكيفة مع الواقع المادي

من مهام الحكومة أن تراعي بدقة أن المرتبات الأساسية والدخول الأساسية تستطيع تغطية الاحتياجات الطبيعية والأساسية للمواطنين ،وتشمل ذلك أيضاً اهتمام الحكومة وصناع القرار بظاهرة تكاليف الإنتاج ،بحيث أن الدورة الاقتصادية لا تكتمل ولا تستقر،ولا تستقر الأسعار إلا عندما ترتفع كفاءة الإنتاج وتقل تكاليفه.

لاحظنا في الفترة السابقة ارتفاع جنوني في سعر مستلزمات الإنتاج بالنسبة للزراعة ،بحيث تضاعف سعر الأسمدة عدة مرات ،وتضاعف سعر الوقود ،وارتفع سعر الأدوات الزراعية بطريقة جنونية ،وفي نفس الوقت تتحدث الحكومة عن التحكم في الأسعار ،وحماية محدود الدخل! فكيف يتم ذلك؟

كما أن النظام ترك كم هائل من المصاريف والتكاليف غير المنظورة تحاصر المواطن المصري ،من أخطرها وأهمها ،في مجال الصحة والتعليم .فرغم أن الدستور ومبادئ التكافل الاجتماعي في المجتمع الحديث تعمل على توفير الصحة والتعليم الأساسي للجميع ،فإننا نجد أن الصحة والتعليم الأساسي وما يتبعه من حق في الجامعات والتعليم العالي ،كل هذه الأشياء أصحبت مرتبطة ارتباطاً مباشراً بالإمكانات المادية ،وبكم كبير من المصروفات المباشرة والغير مباشرة ،والتي أصبحت تتعقب المواطنين.

والغير ملاحظ أن هذه الادعاءات الكاذبة مثل مجانية التعليم ،ومثل الصحة للجميع ،لا تمثل في غيابها مجرد إرهاق ميزانية المواطنين والعائلات ،ولكن تمثل مدخلاً إلى ازدواجية منطقية بالغة الخطر في بلادنا ،ففي التعليم نقول أن التعليم بالمجان ،ولكننا نعلم أنه ليس بالمجان ،ونقول أن الصحة حق أساسي للمواطنين ،ولكن نعلم من الداخل أن الصحة والعلاج في حالات الأمراض الصعبة والمستعصية غير متاح بالنسبة للمواطنين.

الذي أريد أن أركز على نقله للقارئ هو أن المجتمع المتوافق مع نفسه ،والذي يصل إلى مستوى الانسجام بين الحقيقة والادعاء هو الذي يخلق المجتمع الصحي والمتعلم المتوازن لتنشئة الأجيال الجديدة على الصدق والالتزام والتناسق مع السلوك ،وهو ما نفتقده بصفة شبه كاملة ،فأصبحنا مشهورين بحلو الكلام ومعسوله ،وسلوك وأداء يختلف تماماً عن الكلام الجميل والمطمئن ،وامتد هذا الاختلال إلى الفجوة التي حدثت في حياتنا بين العبادات والمعاملات ،حتى أننا في منظور ما نبدو أننا من أكثر دول العالم تديناً والتزاماً بالتنزيل السماوي وقيمة الرفيعة.

ثم إذا انقلبنا إلى مجال السلوكيات والمعاملات وجدنا هذه الازدواجية الكبيرة ،والفارق الواسع بين مظهر الالتزام الديني العالي ،وبين سلوكيات أصبح من سماتها عدم الالتزام ،وعدم إتقان العمل ،وعدم الأمانة في التعامل ،والإفراط في الوعد بإنجازات لم ولن تتحقق ،ناهيك عن تنويعات السلوك الإجرامي الذي يفاجئ المجتمع بين الحين والحين بجرائم لم تكن تخطر على البال ،مثل اعتداء الأولاد على الأم أو الأب ،ومثل اعتداء الأم على أولادها ... وهكذا مما تأبه الطبيعة السليمة والسوية.

ونرجع الكثير من هذه الاختلالات إلى ما هو مفروض علينا من ازدواجية في المعايير ،ومن اختلال ثقافي ومفاهيمي ،يؤدي إلى سلوكيات لم تعد تسمح بالالتزام الكامل بالصدق ،أو بالقيم العليا ،إلا لقديسين نادرين ،لا نتصور أنهم موجودون في الحياة الحقيقية.

أما المجتمع الذي يحيط مواطنيه بكم كبير من الادعاءات الغير حقيقية ،ومرتبات ودخول غير واقعية بالنسبة لحقائق الحياة ،هو مجتمع يضطر مواطنيه اضطراراً إلى ازدواجية المعايير.


Comments