News

تمزق الفنون

طارق علي حسن
Mozart
5-October-2018

تمزق الفنون

 

نحن تنمزق بين تحريم وتحليل الفنون.

الفنون التعبيرية الصادقة شهادة بآيات الله في الكون وشهادة بآيات الله في النفس، وهي بذلك تكليف وعبادة وإعمال للآيات الكريمة ، {سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ} (53) سورة فصلت ، {وَفِي أَنفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ} (21) سورة الذاريات

والحق أن شبهة الفن انحلال وحرام لم تنبع من فراغ، فبعد تاريخ طويل من فن التسلية شغل أوقات الفراغ والنفاق في بلاط الحكام صغر حجم الفنان وارتبط الفن لا بالفلسفة والعلم والتبحر والروحانية والذكاء والإبداع والقدرات الفائقة، ولكن ارتبط بالتمثيل الادعاء بمعنى الكذب وبالنفاق وبانحدار القيمة الاجتماعية والإنسانية للفنان. وارتبط الفن بأعدات القهاوي والتهريج والحشيش والتسيب الأخلاقي والسلوكي حتى وقر في الوعي الجمعي ربط بين الفن والانحلال والحرام، ولا عجب أن أشهر وأكثر فنوننا انتشاراً ورواجاً هو الرقص الشرقي .. رقص هز البطن والحوض والمناطق الجنسية من المرأة .. وهي ظاهرة تمثل قمة النفاق القكري والاجتماعي الذي انزلقنا إليه دون أن نحس.

فنحن نمثل وندعي بضراوة المحافظة والتزمت في أمور الجنس وعلاقات الحب والحفاظ على التراث ثم نجعل من فن جنس فاضح يختزل كيان المرأة إلى مادة جنسية وإلى مجرد رمز جنسي جسدي، ومع طغيان التلفزيون الذي انحسرت معه جلسات التحشيش والطرب والرقص الشرقي، نرى هذا الفن المنحسر يسلم الرايات إلى أغنيات الفيديو كليب الذي يمارس نفس التفاهة ونفس العلاقة الوسواسية المرتبطة بالجنس.

ونحتاج في ظل هذا الانحدار المخيف لا إلى المنع والمصادرة ولكن إلى الكفاح الصبور في المدارس والجامعات والتجمعات الشبابية، وفي المجتمع ككل من أجل فتح مجال لفن تعبيري موازي كوسيلة من وسائل المعرفة بل وإحدى وأعلى وسائل المعرفة وكوسيلة من وسائل الشهادة بآيات الله في الكون.

والمشوار في هذا المجال طويل وصعب ويحتاج إلى إيمان مفقود لأجهزة الدولة وأصحاب القرار السياسي بمحورية والشعور بأهمية الثقافة والفن التعبيري الذي هو مرآة النفس الإنسانية ومرآة الكون النابض وهو ما تفقده العقليات المتحكمة في شئون التعليم والثقافة والتي ترى مع السخط العام أن الثقافة والتعليم ترف، وتزيد وترفض في عتاد غريب إعادة إدخال الفنون التعبيرية إلى التعليم وإلى الجامعات، فلا تزال النظرة إلى التعليم كنشاط سياسي يلعب دوراً رئيسياً في كبح جماح الأجيال وفي ممارسة السيطرة على الأطفال والفتيان والفتيات ثم والشباب حتى تضيع أزهى سنوات العمر وأكثرها إبداعاً تحت نقل كم المعلومات العقيمة التي تحشى حشواً عقول الضحايا (المواطنين) حتى يتخطوا مخاطر الإبداع أو الوصول إلى نشاطات التفكير "الهدام".

ومن وجهة نظر السلطات الأوروقراطية كل تفكير أو أي تفكير وكل تحليل أو أي تحليل وكل سؤال أو أي سؤال هو نشاط هدام.

Comments