News

التعليم غير المباشر أقوى أنواع التعليم

طارق علي حسن
Discussions
16-June-2019

التعليم غير المباشر أقوى أنواع التعليم

تتعلم أجيالنا مهما تتعلم في المدارس ،والفصول ،وقاعات الدرس ،ودور العبادة ،مجموعات من القيم والمعارف ،من المفروض أن تشكل نمط سلوكي وأخلاقي حميد ،يتصف به المواطن ،من أجل أن نصل إلى مجتمع الهارمونية ،والمواطنة ،والتناسق ،والإنجاز والإبداع الذي نحلم به. ولكن يجب ألا ننسى أبداً أن هناك تعليم مواز مستمر وفاعل ،وهو في الواقع المعلم الأكبر ،ألا وهو ما تتعلمه الأجيال من أنماط وديناميات وتفاعلات الحياة الاجتماعية في المجتمع الذي يعيشون فيه.

نبدأ بالمدرسة ،وننتقل إلى القارئ القلق ،الشريد من ظاهرة الدروس الخصوصية ،ليس من الظاهرة في حد ذاتها ،ولكن القلق من المحتوى التعليمي السلبي ،إلى تعرضه على أطفالنا وأجيالنا منذ الصغر ،فهذا الطفل يتعلم منذ الصغر أنه إذا لم يستطع أهله الدفع المادي للمدرس (المثل العالي ،بل المثل الأعلى) ،الذي كنا نقول فيه "قف للمعلم ووفه التبجيلا ،كاد المعلم أن يكون رسولا "،هذا المثل الأعلى (الرسول !) ينتظر من أهل التلميذ الدفع المادي للعلم ،فإذا لم يكن أهل الطفل قادرين أو راغبين ،فسيعاقب الطفل أو التلميذ ،وربما يرسب في الامتحان ،بعد أن يعامل أسوأ معاملة في الفصل!

فإذا كان أهله قادرين ،يدفعون للمدرسين ،فها هو طفلنا يتعلم الكسل والاعتماد والاعتمادية ،وانتظار أن يتلقن العلوم والمعلومات تلقيناً سلبياً ،يرتبط لا بحلاوة العلم والتعلم والاكتشاف ،بل بقضية إحراز الدرجات في الامتحان والشهادات ،وتُقتل في الطفل مثل البحث والابتكار وطلب العلم ،فكل لذة للعلم وللتعلم وللبحث والاستكشاف ضاعت في متاهة العلم الملقن لمن يدفع أكثر ليحرز درجات !!

لا ننف شيء بالنسبة للأحلام المجتمعية والقومية ،ولكن نعلم أجيالنا أن هذه الدرجات الشبه مشتراه بالمال من المدرسين ،أبعد ما يكونون عن الرسل ،وأقرب إلى التجار ،ولا يقومون بواجباتهم الأصلية في المدارس من أجل تدعيم مكاسبهم في أروقة الدروس الخصوصية.      نعلم أولادنا أن هذه الدرجات تعني لهم الفرق بين الضياع والشهادة الجامعية المنشودة ،وتتعلم الأجيال أنها تذهب إلى مدارس لا يحضر فيها المدرسين ،أو يحضرون متأخرين إلى دروسهم الأصلية.

وهنا تعليم آخر لإهدار قيمة الوقت وانضباط المواعيد ،وهي ظاهرة أصبحت كارثة قومية حقيقية ،ناهيك عن المدرسين لا يتمون الجدول ،ولا يجهدون أنفسهم في شرح ما هو غامض أو صعب من المقررات أو العلوم أو المعارف ،ولا يخلص المدرسون بطبيعة الحال في تعليم التلاميذ ،لأن الجميع ينتظر موعد الدروس الخصوصية المدفوعة ،وكلهم يعرفون أنها غير قانونية ،وحرام ،ولكن لا يهم ،معرضين بربكم أي قيمة نعلمها لجيلنا في هذه التتابعات ،وكأن ما تقدم يكفي لتعليم الصغار التزويغ مبكراً ،والغش كلما أمكن.

كالبذرة قد زرعت منذ أن عودوا وتعودوا أن يهربوا من المدرسة ،ويسدد لهم المدرسون دفاتر الغياب ونسب الحضور ،بل يدفع الحال في بعض الظروف أن التلاميذ القادرين على الدفع المجزي للمدرسين ينتظرون بكل تلقائية طبيعية (وهي طبعاً ليست طبيعية في مجتمع صحي) أن يساعدهم المدرسون ،إما بالتقاضي عند قيامهم بالغش في الامتحانات ،أو يقوم المدرسون بتغشيشهم مباشرة.

وأصبح منظور الكثيرين من أجيالنا إلى العلم ،أنه حدث سخيف ،بل ومكروه ومدفوع الثمن ،بما يسمونه اضطراراً من أجل تقدم اجتماعي دنيوي ،لا من أجل الوصول إلى التطبيق العلمي والابتكار والقيمة المضافة ،أو من أجل التنوير الداخلي ،ونمو ملكات التحليل الناقد والفعال والخلاق ،وحل المشاكل ،واكتساب المهارات المطلوبة النادرة.

وليس عجيباً أن منظور هذه الأجيال إلى العلم والتعليم أنها شيء سخيف مجهد ،ينسى ويلقى به في صفيحة القمامة ،فور انتهاء الامتحان ،وتحقيق الدرجات المطلوبة اجتماعياً.

ألا نفيق لمدى التأثير الكارثي لهذا التعليم للمحتوى السلبي ،وللتأثير الخطير لهذا الذي سميناه بالتعليم الغير مباشر على المفاهيم والقيم والسلوكيات.

ننتقل إلى مجال آخر لا يقل إثارة للقلق عن ما قدمناه من انهيارات في التعليم المسمى بالتعليم المجاني ،وكنا قد تكلمنا مراراً وتكراراً عن التعليم المجاني الأساسي لأبناء المجتمع ،هو أحد المكونات الأساسية للمفاهيم والمناظير وللسلوك ،ربما حتى آخر الحياة.

ونحن سمحنا بالانهيار في مجال الدروس الخصوصية الذي أشرف إليه في عجالة لما تقدم ،وسمحنا بكارثة أخرى موازية لهذا الانهيار ،وهي تفاوت أنماط ومستويات وأسعار التعليم الأساسي ،الذي هو أساس للمواطنة وتنمية روح الفريق بين المواطنين ،وعمل الاحتواء والمودة بينهم ،فسمحنا بنبوغ وتضخم تعليم أزهري وأساسي ،يكاد يكون إيقاعه مختلف عن أي تعليم آخر،وعن تعليم أساسي تستشري فيه الدروس الخصوصية ،ويهرب التلاميذ من المدارس ،ثم تعليم خاص على مستويات عدة ،ثم تعليم أجنبي ،وتعليم خاص الخاص تكلفته عدة آلاف من الجنيهات للتلميذ الواحد ،ولا يقدر عليه إلا أصحاب الدخول التي تمتلك عدة ملايين من الدخل القومي.

ونحن بهذا نخلق مجتمعات متعددة ومتنافرة داخل المجتمع الواحد ،لا تواصل ،ولا مودة ،ولا احترام بين أفرادها ،بل ولا لغة مشتركة بينهم.

وهذه جرثومة مدمرة تنذر بتفكك المجتمع من الداخل ،وتحويله إلى جذر ،أو مجتمعات لها مواصفات اجتماعية واقتصادية وسلوكية ومفاهيمية تختلف بفارق هائل عن نظائرها من الجذور الأخرى في المجتمع ،وكل من هذه الجذر يعيش بعيداً ومنفصلاً عن الآخر ،متوجساً من الآخر،ومديناً له في أعماقه. فأي مجتمع هذا الذي نصنعه ونبنيه ،وأي ترابط اجتماعي نسعى إليه ؟وأي عمل فريق نسعى فيه من أجل التقدم والرقي؟

لقد تكلم الكثير من حكماء مصر عن هذه الظاهرة ،وأذكر الفضل -كل الفضل -للمرحوم سعيد النجار في البيئة المتكرر عن مخاطر تعدد مستويات ،واتجاهات التعليم الأساسي في مجتمع واحد.

وقد سبقه وتبعه الكثيرون ،وتناقشنا كثيراً في هذه الأمور في النشاط التعاوني ،في جمعية النداء الجديد ،ومؤسسة زينب كامل حسن للتنمية البشرية المتكاملة ،وكما ينظر للمجتمعات في حالة ركود ،فإن هذه الأفكار الهامة ذهبت بلا تطبيق ،وبلا وعي من صناع القرار لأهميتها.

ننتقل إلى ظاهرة أخرى عجيبة من ظواهر التعليم الغير مباشر ،الذي يتعرض لها ضابط الشرطة الديكتاتوري من العادات في العمل الشرطي في المجتمع.

فكلما تتلقف الأجيال في المدارس ظاهرة الدروس الخصوصية ،يبدأ الشرطي حامي حمى المجتمع رحلة حياته في كلية الشرطة وفي داخله أن دخول كلية الشرطة (بما أنه ميزة عن غيرها ،وهذا خطأ أساسي) يكون بالواسطة ،وبالقرابة أو بالرشوة !!

ثم وقد دخل الكلية ،ويتعلم فيها ما يتعلم من قيم ،ليس لحكماء المجتمع المدني دور حقيقي أو أساسي في تشكيلها ،يعلمونه بكالوريوس الحقوق ،لا ليتشرب ثقافة الحقوق للإنسان وللمواطن ،والدستور ،ولكن لإتمام عملية الخلط بين السلطات التنفيذية والسلطات القضائية ،وهو خلط تحرص النظم على أن يكون المبدأ الأساسي الفصل بين السلطات ،وهو مبدأ ضروري لعلاج المجتمعات.

فهو يتعلم الحقوق ليتحول إلى أداة من أدوات اختراق السلطة القضائية ،لينفذ كممثل لمجموعة أهل الولاء والثقة إلى سلك النيابة والقضاء ،خداماً للسلطة ،وليس للعدل والدستور للمواطن.

إلى أي منزلق تقودنا هذه الثقافة المباشرة والغير مباشرة ؟


Comments