News

كل تجربة تعليمية تحمل معها محتوى قيمي مباشر أو غير مباشر

طارق علي حسن
Discussions
15-June-2019

كل تجربة تعليمية تحمل معها محتوى قيمي مباشر أو غير مباشر

 

علمتني تجربتي الطويلة في مجال التعليم في الداخل والخارج أن كل برنامج تعليمي يحتوي في طياته محتوى قيمي وأخلاقي ،وقد كان من زملائنا وعلى رأسهم الدكتور/ محمد صادق صبور, والدكتور/ عماد فضلي رحمهما الله رواد كبار في مجال تطوير التعليم ،وكان من أهم عناصر التنوير التعليمي الذي حمل لواء نشرها في الجامعات المصرية ،وهي أن التعليم ليس مجرد كم من المعلومات ،كما أنه ليس مجرد تطوير لملكات العقل البشري عن تذكر وترديد ومحاكاة ،ثم القدرة على حل المشاكل ،ثم المستوى الأعلى وهو القدرة على الإبداع ،ورغم أن هذه قد أصبحت بديهيات أساسية فإننا لا نزال في الأغلب الأعم محبوسين في عالم الحفظ والذكر والترديد والمحاكاة والتبحر من خلال الدروس الخصوصية في التمكن للحصول على أعلى الدرجات في امتحانات شبه ميكانيكية ،وتمثل من المنظور التربوي والتعليمي وسائل قاصرة بطريقة بائسة عن متطلبات التعليم النمائي الإبداعي.

ولم يقتصر تعليم الرواد الأوائل على تنوير العقل الواجب بالتعليم, بل تعدت رؤيتهم الهامة إلى التنبيه أن رحلة التعليم مسؤولية أيضاً عن إكساب المتعلم المهارات الخاصة ،ثم نأتي إلى العمود الثالث في العملية التعليمية وهو رحلة اكتساب الاتجاهات والقيم, وتكون مرجعية أخلاقية قيمية للسلوك الشخصي والوطني والإنساني ،وهذا الجزء الخاص بالاتجاهات حيوي للغاية لتكوين ميلاد المواطنة التي تحدثنا عنها مؤخراً دون أن نشتغل ونتعب في البحث عن آليات تحقيق كلماتنا الرنانة ولتحويل الإنشاء والخطابة من المواطنة إلى حقيقة واقعية.

من المعروف أن التعليم الأساسي الإلزامي من أهم القوى المشاركة في تكوين مفهوم وسلوك وأخلاق المواطنة ،ونتساءل عن التسيب الاجتماعي الذي سمح بانتشار وتغلغل عدة أنواع متعارضة بل أقول متناقضة من التعليم الأساسي الذي تفرع إلى تعليم حكومي مع التعويض بالدروس الخصوصية ،وهو تعليم أساسي للقادرين المصريين ،ثم تعليم أساسي حكومي للفقراء وغير القادرين وهو غير مدعم بالدروس الخصوصية ،وهو أشبه بالتعليم العشوائي ،ثم التعليم الأجنبي ومدارس اللغات للسوبر قادرين ،ثم عندنا التعليم الأزهري ،وعندنا تعليم غير مباشر للجوامع ودور العبادة الذي يسير بطريقة تفتقد إلى الرؤية والمنظور الاستراتيجي بعيد الأمد ،وهذه الفوضى والتعدد الغير مترابط في التعليم لا تؤدي إلى تقويم سلوك المواطنة ،لكنه يؤدي إلى تفرقة المواطن من أخيه ومن أخته على أساس ديني وطائفي من جهة ،وعلى أساس القدرات المادية والاجتماعية لأهله من جهة أخرى ،والاتجاهان يمثلان فيروسات مدمرة للترابط والتماسك المنشود بين الأجيال.

وليس غريباً أنك إذا حاولت الوصول إلى مكان في وسط البلدة وقت الذروة وركبت أتوبيس أو المترو فكأنك تجد نفسك في مجتمع تصادمي يكره أفراده بعضهم البعض ،ويفتقد مقومات التكافل والتراحم والالتزام الاجتماعي الضروري.

وإني أتساءل عن المحتوى القيمي لكل روافد التعليم الأساسي المتعدد ،بل والمتناقضة ،أتساءل عن الرؤية الخلاقة التي تتصدى لقضية التكامل والمواطنة في كل هذه الروافد المتناقضة من روافد التعليم الأساسي.

ما هي قيمة المواطنة مثلاً التي يحملها التعليم الأزهري الأساسي ،وما هي قيمة المواطنة التي يحملها التعليم الأجنبي ومدارس اللغات والمدارس الخاصة ،وما هو منظور كل هذه الروافد من المعتقدات الدينية ومن الاختيار والحرية وقبول الآخر ،والتكامل مع المختلف في إطار مجتمع واحد ووطن واحد.

ثم أنتقل لأتساءل ما هو المحتوى القيمي والسلوك الأخلاقي للتعليم عندنا عامة حتى التعليم الجامعي ،وأتساءل إلى أي مدى يهتم التعليم بغرس قيم الديمقراطية والحوار والتعامل مع الرأي والرأي المعتاد ،والتعامل مع الاختلاف والمختلف ،وكذلك الحفاظ على فائدة الكلمة وأمانة الصوت وحق الاختيار في الانتخابات على كل المستويات ،من المستوى الطلابي إلى مستوى الأحياء إلى مستوى الأحزاب ثم إلى مستوى الانتخابات العامة.

وأنتقل لأتساءل عن تحليل تربوي للمحتوى القيمي الذي يتعلمه شبابنا في كلية الشرطة مثلاً ،وهل المحتوى القيمي والأخلاقي والسلوكي في رحلة التعلم والتخرج يحتوى على ممارسة الشعب لحقوقه في تكوين سلطات كاملة مؤمنة من التدخل ،ويشمل الإيمان الراسخ بالقيم العليا للمواطن ولإنسانية المواطن ،ولكون المواطن في كل الظروف إنساناً نفخ الله فيه من روحه ،وله حقوق أساسية في كل الأحوال.

فالحقوق التي تنبع من تكون الإنسان حالة كونه إنساناً هي حقوق أساسية ملزمة في كل الأحوال والظروف بلا استثناء ،فهل تحمل كلياتنا العليا عامة وفي كلية الشرطة خاصة هذه المبادئ الحيوية؟


Comments