News

ظواهر ثقافية عجيبة

طارق علي حسن
Discussions
12-November-2018

ظواهر ثقافية عجيبة

 

يجول بخاطري أن من ظواهر الاختلال الاجتماعي والثقافي فقدان مجتمع ما للوسطية في الأمور وللخيارات التي يستسيغها العقل والمنطق في أمور السلوك ،وخطر لي وأنا أناظر اختلال الكثيرين في المجتمع المصري انزلاقاً إلى تزمت ديني سلوكي غريب على مصر.

وقد كان المجتمع المصري مجتمعاً زراعياً رائداً ،علم الزراعة للعالم وتعلم منها ،والذي يعرف الزراعة يعرف معها المدينة والحضارة واحترام العنصر الأنثوي في الوجود والتوسط والحكمة والعلم والدين في غير تعصب ،ويعرف المجتمع الزراعي باستمرار قيمة الأنثى وأهميتها واحترامها بل ويبجلها،كما يعرف قيمة الأطفال والبراعم والجيل الجديد.

فإذا بنا بمجتمع تقتحمه سلوكيات التدين الصحراوي الوهابي الذي يكاد لو استطاع أن ينفي الأنثى تماماً من مجريات ونشاط المجتمع ومن أي نوع من العلاقة أو التفاعل ،بل ويرغب إذا ترك له العنان أن يغطي المرأة بالكامل تحت نقاب أسود عازل ولا يسمح لها بأكثر من العينين أو عين واحدة ،كرماً منه في أن يسمح لها ببصيص من البصر المحدود ،وقد سحب منها أو منع كل صلاحياتها الأخرى ،ولو استطاع هذا المنظور الجائر على الأنثى أن يغطي أعين المرأة لغطاها ،ولو استطاع أن يخرس لسانها ويصم أذنيها ويقيدها مؤبداً في حجرة أبيها أو زوجها لفعل ،ويواجه هذا الاتجاه المبالغ فيه والغريب على المجتمع المصري باتجاه مضاد مبالغ فيه أيضاً وغريب على المجتمع المصري فمن جهة نرى  مبالغة مرضية في التزمت والتعصب يواجهها في جهة أخرى مبالغة في الانحلال والتسيب.

لم تكن مصر الحضارة الريادة والتدين الحقيقي تعرف النقاب ولا التعصب والمبالغة في مظاهر التدين بل تميزت بالسماحة والقبول والتدين العميق الهادئ بطريقة عميقة وجميلة وغير زاعقة ،والآن بعد أن غزت المجتمع مظاهر التعصب والتزمت والمبالغة الزاعقة في ظل استشراء الجهل ،وتردي التعليم والثقافة ،نجد عناصر من المجتمع تندفع في مبالغة وتعصب زاعق في مجال مضاد ألا وهو الإمعان في الانحلال والتسيب بطريقة زاعقة بل وأقول متعصبة.

وإن كان يبدو على السطح أن الظاهرتين لا علاقة لهما ببعض بالمرة فإنني أجد الظاهرتين مرتبطتين ببعضهما من حيث المبالغة وفقدان الوسطية والإمعان الزاعق في طريق أحادي لا يهتم بالآخر ولا يهتم بالبنيان الاجتماعي ولا بصلاح هذا البنيان من أجل المضي في انفعالاتهم المتعصبة ،وترتبط الظاهرتان المتضادتان في الظاهر ارتباطاً مخيفاً في المبالغة والتعصب والانغماس الهستيري فيما يفعلون.

وليس غريباً مع علماء الاجتماع وعلماء التربية أن يدرسوا السلوكيات المبالغ فيها كثيراً التي تؤدي إلى عكسها وأن فرض التزمت كثيراً ما يؤدي إلى التسيب والانحلال وأن الأفضل والأحكم بكثير تعليم ونشر التدين الوسط السمح الذي تميزت به المجتمعات الزراعية وعلى رأسها مصر.

وقد انقلب الحال حيث استخدم المتزمتون والمتعصبون المال والدولارات البترولية في كثير من المجتمعات المتحضرة للتأثير الأطول والأقوى في العامة والبسطاء ولذلك فإن الأحرى بالعلماء والمفكرين والمتخصصين والمحبين للإسلام من كل الجهات أن يتصدروا لعلاج هذا الاختلال الخطر في طبيعة العلاقات وفي مصادر القدوة.

لماذا تقلد مصر السلوك البدوي الصحراوي بدلاً من أن تكون مصر المعلم للبدو الصحراويين وهي التي حملت لواء االحضارة والدين على مدى قرون ؟هل مجرد الوجود المدعم بالدولارات البترولية يغير موازين الحكمة ومنابع الثقافة ويقلبها هكذا ؟ صرخة استغاثة لإنقاذ الإسلام من التزمت البدوي الصحراوي الوهابي من أجل الجميع ومن أجل نصرة الدين.

ونرى في بؤر الانحلال الزاعق الغريب وفي التشجيع الشعبي الكبير للأغاني الهابطة المنحلة وللرقص المنحل العاري الفاضح جنسياً وللأفلام والمسلسلات الهابطة والفاضحة نوع من الاحتجاج الشعبي المستتر على هذا الميزان المقلوب وعلى هذه المبالغة "الفاضحة "في مظاهر التقوى والصلاح والالتزام في مجتمع أصبح الفارق فيه بين المظهر والجوهر كبيراً بدرجة مخيفة وأصبح يعيش الانحدار الأخلاقي بتحد وبتلذذ ،حتى لقد أصبح نمط "الأبطال "والنجوم في بعض الأفلام الجديدة نمط الإنسان العبيط صاحب اللغة الهابطة والسلوك السوقي والحركة نصف السكرانة التي توحي أن صاحبها وبكل فخر يتعاطى المخدرات إن لم يكن وبكل فخر أيضاً يتاجر فيها ..إلخ

نحن الآن في عصر العولمة شئنا أم أبينا وأصبح متاحاً لأي شاب يعرف التعامل مع الكمبيوتر أن يشاهد ما يشاء من الكليبات والأفلام والأغاني الفاضحة فإذا ذهب إلى الجامعة وهو مغموس في التسيب والانحلال حتى أذنيه ،وجد منظور يفرض فصل الطالبات عن الطلبة  في المدرجات ووجد النقاب الكامل على بعض زميلاته ،ثم يسعى للعودة إلى المنزل في أوتوبيس يتكدس فيه النساء والرجال كما في علب السردين ثم يشاهد ويستمع إلى آخر وأنجح أغنية تبيع الملايين وفيها الراقصة أكثر من عارية والمغني معها يتعامل مع الأماكن الحساسة في الجسد بطريقة فاضحة ،أي درك من النفاق الشخصي والاجتماعي هذا ؟ماذا نريد بشبابنا وماذا نعلمه ؟وأي تناقض نفرضه عليه فرضاً ؟

نحتاج بكل جدية أن نشخص بهدوء مواطن الخلل في هذا الأمر مع عدم الهروب من واقع أن الأغاني والكليبات التي نسميها بالهابطة والمنحلة والفاضحة تلاقي رواجاً وترحيباً من الآلاف بل من الملايين.

وأن المواقع الجنسية المثقفة والفاضحة يستعملها ويزورها الملايين.

فهل هذا نوع من الاحتجاج على مجتمع محبط منافق مضطرب الثقافة مصمم على كبت وإنكار الحقائق والتظاهر بمظاهر تبعد كل البعد عن الجواهر والحقائق ،أم هو رد فعل لفقر ثقافي وتعليمي عميق تكلمنا عنه في أكثر من موقع وأكثر من مقال ؟

Comments