News

البوليفينية التعددية في الموسيقى

طارق علي حسن
Mozart
12-November-2018

البوليفينية التعددية في الموسيقى

 

يزداد ذهولي كلما أبحث في نشوء البوليفينية التعددية في الموسيقى ،وهو الحدث الذي أعقبته القفزة الهائلة في الموسيقى وتفانينها وعلومها التي حققتها الحضارة الغربية ،وينبع الذهول من إتقان معظم الباحثين مع نظريات سبق أن قدمتها في كتاباتي ،وفي أوراق مقدمة إلى المجالس القومية المختصة ،تربط بين الواقع الاجتماعي والسياسي الفكري الأحادي ،وبين طغيان الموسيقى الأحادية المونوفونية على مساحات التعبير الموسيقي في المجتمع ككل.

وكان من ضمن أسباب الذهول والحزن والأسى ،اتفاق بعض البحاث على الاختراق الذي حدث في الفكر الأوروبي الذي تم بفضل الإسلام والمسلمين والحضارة الإسلامية التي حملت معها أولاً: كسر طغيان الوسيط بين الإنسان والخالق ،ورفض هذه الوساطة كلية.

ثانياً :الاحترام الكامل للعقل البشري ،وللمنطق ولنزول القرآن الكريم ككتاب حواري لم يستكبر على التحاور ،واللجوء إلى المنطق ،والتدبير والتفكير والتفقه للتدليل على وجود الله سبحانه وتعالى ووحدانيته.  

ثالثاً: الاحترام العميق للعقل وللعلم وللمعرفة التي تتردد في كل صور القرآن الكريم ،والذي يتمثل في قول الرسول صلى الله عليه وسلم "اطلبوا العلم ولو في الصين"

ومن هنا فقد فتح الإسلام لأوروبا مفاتيح التحرر من طغيان المؤسسة الدينية الكنسية كوسيط مطلق بين الإنسان والخالق ،وكحام وفارض لفكر أحادي يعتبر كل ما عداه كفراً يستحق السحق والإعدام والتعذيب.

ثم كان لاحترام العلم والحوار فضل أن ينهل علماء المسلمين وحكامهم من موارد الحضارة اليونانية ،والحضارات القديمة العظيمة بحرية وتفاعل ،لم يكونا أبداً متاحين لأوروبا في ظل طغيان الفكر الأحادي المركزي المفروض من السلطة الأحادية المركزية.

وبذلك ألقى المسلمون الضوء على أعمال سقراط ،وأفلاطون وأرسطو ،وأبوقراط ،وكلها مشاعل تؤدي إلى المنطق الحواري التفاعلي ،وإلى التعددية والدينامية ،وقد أثر هذا المعبر الذي فتحه المسلمون أغلب التأثير في أوروبا العصور المظلمة التي كانت أصبحت ضحية لطغيان ديني مركزي أحادي.

وكان مع هذه الاستنارة ميلاد خجول للتعددية في الموسيقى والابتكار في العلوم والفنون ،وفي علوم الطب والتشريح ،وكل فروع المعرفة الإنسانية والتعبير الإنساني.

ويلاحظ هنا أن التركيبات الطغيانية الأحادية المركزية تولد معها بطريق غير محسوس أحادية في التعليم والتفكير والسلوك وضياع كامل للقدرة على القبول للآخر.

فالآخر بالضرورة إن كان إنساناً أو ديناً أو نغمة أو صوتاً مختلفاً فهو بالضرورة عدو ومخالف ،ويجب بتره وإعدامه.

ويعجب الكثيرون من هذه النظرية ويقولون ما علاقة النظام السياسي بالموسيقى؟

ونقول لهم أن العولمة أصبحت غير قابلة للإنكار ،وأن النظام السياسي الأحادي والطغيان العسكري عن طريق السلاح أو المال أو كلاهما معاً يولد المجتمع الأحادي الغير قابل للآخر ،ولا للتفاعل مع أي شيء مختلف ،وهو مجتمع بالضرورة غير قادر على الإبداع والابتكار ،وغير قابل على إفراز الموسيقى التعددية البنائية.

وهذا بكل أسف هو حالنا مع الاعتراف بالجماليات البديعة لمنمنماتنا المونوفونية برفرفتها التي لا مثيل لها في الجمال والروعة والشطارة والمهارة ،ولكن يبقى العمود الأساسي للإبداع وللبناء السيمفوني لعمل الفريق المتعدد نحو المنظور والتطوير غائباً ومغيباً.

وإذا استمر فشلنا أو إنكارنا لهذه الحقيقة التي أصبحت دامغة وواضحة وضوح الشمس ،فإننا نكون بذلك نكرس بكل أسف التخلف والعقم الاجتماعي المحزن.

ولا أشك أن أجيالاً ستأتي بعدنا وتسألنا عن كيف سمحنا بعقم سياسي واجتماعي وفكري ،وما يصاحبه من عقم إبداعي في مجالات العلوم والفنون ،وعلى رأسها بطبيعة الحال الفنون  والموسيقى.


Comments