News

وإذا المقتول سؤل بأي شرع ذبح فماذا يقول للخالق سبحانه وتعالى ؟

طارق علي حسن
Discussions
1-May-2019

وإذا المقتول سؤل  بأي شرع ذبح فماذا يقول للخالق سبحانه وتعالى ؟

 

جزء كبير من العذاب والتعذيب الاقتصادي والأزمات الرهيبة المفتعلة في رأينا يرجع إلى افتراض يشوبه الخلل من عدة جهات ،وهذا الافتراض أن التقدم والتنمية تأتي فقط عن طريق إتباع النمط الأمريكي الغربي في الحياة الباذخة المهدرة الاستهلاكية ،ويأتي الافتراض أن مقاييس التنمية يضعها النمط الأمريكي المتأمرك وهي فعلياً تدمر أنماط الحياة المستقرة والمفيدة والمتوازنة مع المحيط والبيئة لأعداد كبيرة من البشرية.

 

بدلاً من أن تتبنى الأمم المتحدة فكر جديد عن مفهوم التقدم وقعت ووقعنا في فخ أن النموذج الأمريكوغربي الاستهلاكي هو المقياس والمعيار ومحدد القياس.

 

يذخر العالم وعالم الجنوب بالذات الذي سموه عالم التخلف وضعف التنمية أمثلة مجتمعات نجحت في الوصول لأنماط حياة مستقرة ومتوازنة مع الطبيعة ومع البيئة المستدامة ،وكان نزول قوى "التمدين" والتقدم الأميركوغربية عليهم هو الكارثة الكبرى التي نقلت هذه المجتمعات إلى غياهب الفقر والبؤس والعوز واحتقار النفس.

 

لنأخذ مثلاً القرية المصرية التي كانت تعتمد على النفس اعتماداً كلياً ،وولدت نسقاً متوازناً مع الطبيعة والمعطيات المحلية وكانت مركزاً مصدراً لكل ما يزيد عن الاستهلاك الشخصي المتواضع والحكيم بالضرورة ،وكانت هذه القرية في مأمن من الأزمات الغربية المصطنعة مثل أزمة الكساد العظيم في أواخر العشرينات وكذلك كانت محصنة من الأزمات التي يصنعها أصحاب المصالح من دول أو أفراد.

 

لا شك أن القرية المصرية التي أخذتها كمثال كانت هناك نقاط سوداء كثيرة تقتضي وتستدعي التنوير والتفتيح ،فمشكلة الصحة والسلوك الصحي كانت في أشد الحاجة إلى المعالجة ،وكذلك مشكلة الظلم الاجتماعي ومشكلة البناء والمعمار القروي لازالت تحتاج إلى تطوير وكذلك أيضاً مشاكل التعليم والتنوير والفهم الصحيح للدين ،والتطبيق الإنساني للقوى الحاكمة كلها كانت تحتاج إلى تطوير كبير لكنها في إطار الحفاظ وعدم هدم الاعتماد الذاتي الذي كان موجوداً وممكناً ومتاحاً.

 

لا أقول أن ما كان موجوداً كان مثالياً ،ولكن أقول أن التطوير كان من الممكن أن يكون مع الحفاظ على التنمية المستدامة ،والمجتمع الغير استهلاكي المنتج المعتمد على النفس والمجتمع والمؤمن والمحصن ضد ألاعيب الاقتصاد الذي يمثل سلطة أخرى من المصالح والأغراض المخفية الظاهرة يدمر بها الشعوب والمجتمعات تدميراً ،على يد هذا الفكر تحولت مجتمعات كانت مستقلة تمام الاستقلال إلى مجموعات من البؤساء يعتمدون على قوى لا تفهمهم اعتماداً كلياً من الكساء والغذاء والعلاج والترفيه وفي كل شئون الحياة ،ويقول قائل سرت الأموال في أيديهم ولكن في الحقيقة الأموال في أيديهم زادت ولكنهم افتقروا ،وهو بارادوكس لا تدركه الاقتصاديات الأمريكية ولا يدركها الإنسان الضعيف إنسانياً والتي لا تعي ولا تفهم ما هو المقصود بالمستوى الكيفي للحياة ولا بدخول معدلات السعادة في الحياة والموت وتكوين العائلات والأجيال التي لا تقاس مطلقاً بهذا الشكل وهي عنصر أساسي من عناصر التنمية و النجاح الاقتصادي.

 

السوق الذي يسمونه السوق الحرة أصبحت تتلاعب بها القوى العظمى والدول العظمى ،والذي يدفع الثمن الرهيب الملايين أو البلايين من بني البشر الضعاف الذين ليس لهم أهداف في الحياة وليس لهم الحق في الحياة والتعليم وفي النماء والسعادة كعنصر أساسي من عناصر و مقاييس التنمية.

 

وعلى الملايين والبلايين الذين يتلاعب بحياتهم والذين قد يقضون العمر كله في بطالة وضياع تحت مظلة أزمة اقتصادية عظمى ،على هؤلاء الملايين فيما بينهم الدول العظمى أن يشغل أمنهم كما ورد في الدستور الأمريكي الأول حينما كانت أمريكا تمثل الحلم الكبير للمطرودين والمهمشين والبؤساء ،قررت بنود حقوق الإنسان بوضوح الحق في تتبع السعادة.

 

على هؤلاء الملايين أن يتحدوا ويفهموا أنهم أصبحوا لعبة يلقون بها في أتون أزمات اقتصادية مفتعلة في الأغلب الأعم على أنه لا معنى من المنظور الواسع من دوجما اقتصادية أكاديمية للأزمات الاقتصادية الطاحنة التي تلقي بالملايين في مستنقع الضياع والعوز والبؤس ،بينما أعطى الخالق للإنسان كل ما أعطاه للملكات وبينما اهتدى الإنسان بملكاته للتكنولوجيا التي تتيح قدر لا نهائي من الطاقة ومن الأتمتة الكاملة لكل خطوات التطبيق والإنتاج والعلاج والتعليم والنماء للبشرية على كوكب الأرض الذي به من الاحتياطي ما يكفي و يزيد شريطة الاستخدام الحكيم الذي يخدم الإنسان والحياة بين القوى المهيمنة والقوى المحتكرة.

 

أيها المعرضون لافتراس اقتصاد السوق الذي تتحكم فيه ديناميات دول الهيمنة ومراكز قوى اقتصادية غامضة ترفض الشفافية ،اتحدوا واعملوا في نفس الخط التي تعمل فيه حكومة اليونان الجديدة لتفرض على القوى العالمية اقتصاد اكثر إنسانية وأكثر أنسنة وكذلك لتفرض الشفافية والمساءلة على صناع القرار في عالم البنوك والبورصات الغامض الذي طالما اختلق الأزمات وضيع مستقبل وحياة الملايين من الأسر بلا سبب واضح وبلا مبرر حقيقي في ظل وجود كل المعطيات للثراء البشري ولخروج البشرية جمعاء من مستنقع العوز والبؤس والعجز والبطالة على أقل تقدير حد أدنى من الحياة الكريمة للجميع وهو متبع منذ فترة ليست بالقليلة للبشرية عن طريق العلم والتكنولوجيا والتطبيقات الحديثة والمبدعة.

 

Comments