News

صناعة الفقر و إهدار الثروة الجينية

طارق علي حسن
Political and Social
23-November-2018

صناعة الفقر و إهدار الثروة الجينية

 

كلما تذكرت محطات حياتية لي ولأقراني وجيلي وجيل تلاميذي ,تزداد نظريتي عن طيف يخلق الفقر خلقة ،من كان يتصور أن الفقر يصنع والاعتمادية والفشل يصنعان عن طريق نسيج اجتماعي لاستمرار عصر الإقطاع الفاضح حينما كان وكذلك لعصر الاستعمار ،حين كان المراد بعصر الإقطاع الفاضح أن يكون للطبقة الأرستقراطية و للحكام الحرية ... كل الحرية في صنع وفعل ما يريدون ،على أن تكون كل المسالك مسدودة ومعوقة في طريق أبناء الشعب وهم الأغلبية السحيقة.

 

كذلك كان الاستعمار يمارس نفس الآلية حيث الحرية ...كل الحرية و تيسير الحركة و التحرك للأجنبي بينما العراقيل لأبناء البلد المصاب.

العجيب أننا تحررنا اسمياً من الاستعمار وحصلنا اسمياً على الاستقلال والحرية الوطنية ولكن النسيج الاستعماري الإقطاعي العنكبوتي لا يزال متمكناً من أذهاننا و سلوكياتنا وبالذات سلوك الجهاز البيروقراطي الضخم للدولة الذي أصبحت من معتقداته الثابتة والعميقة أن مهمته في الحياة هي مهمة الاستعمار والإقطاع في عرقلة الأمور وسد قنوات الحركة للمواطنين.

نعتقد إننا تحررنا من الاستعمار ومن مفاهيم السيطرة والإقطاع والطغيان ولكن هذه المفاهيم عاشت عميقاَ في وجداننا ومفاهيمنا.

 

أتذكر الكثير من خيرة الشباب والشابات وأكثرهم وأكثرهن تفوقاً وحيوية وقدرة وهم يذوون بالتدريج ويفتقدون الحيوية والمهارة والقدرات وتنطفئ جذوة الحياة في أعينهم وهم يتلقون الإحباطات المتراكمة في معظم مراحل الحياة وكل تعاملاتهم مع مؤسساتهم ومؤسسات الدولة التي ينتمون إليها. وكم أذكر من طبيب متفوق انتهى به الأمر إلى الإحباط واليأس والاكتئاب أو التشويه النفسي لكي يصبح وبالاً على من حوله بدلاً من أن يكون بلسماً شافياً لما أودع فيه من مواهب وقدرات ،الأمثلة ليست فقط في الطب ولا الجامعة لكن في كل مجال في المجتمع الذي يستمر في النهج الإقطاعي الاستعماري القديم وهو يدري أو لا يدري وهو الذي انزلق فيه أهل الجهاز البيروقراطي إلى ما سميناه بالاقتصاد اللا إنتاجي وهو مرحلة أسوأ من الاقتصاد الاستهلاكي الذي يستغل فيه مجموعة صغيرة من الناس لحقوق الاحتكار بالنشاط الاستهلاكي الذي مجرد ما يفعلوه هو أن يقدموا مجموعة من الخدمات و المنتجات التي غالباً ما تكون مستوردة بلا قيمة مضافة أو اختراع أو إبداع و قيمة مضافة للعلم والمعرفة.

 

وأسوأ مما تقدم ظاهرة الاقتصاد اللا إنتاجي حيث يجد قسماً من أصحاب السلطة والمال في المجتمع لهم القدرة ليس في تسيير الأمور للشباب والمواطنين فحسب لكن يزداد كسب وتمييز هؤلاء كلما مارسوا مهمة العرقلة وتصعيب الأمور وتأجيلها إذا ناظرت مجتمع هذه الأغراض المستعصية تجد جهازاً بيروقراطياً معقداً و قضاءً بطيئاً غامضاً وقرارات بطيئة تفتقد إلى الشفافية يبلغ من بطئها أن تفرض الشلل على العشرات بل المئات بل الملايين بلا رحمة وبلا وعي أن أي تعطيل لأي مواطن هو تعطيل بطريقة ما غير واضحة ولكن مؤكدة للوطن كله وإرغام المجتمع بطريقة ما غير واضحة على التراجع الاقتصادي خطوة بل وخطوات.

 

وإذا أردت اختيار هذه الأفكار فأرجع للخطوات المطلوبة لاستخراج رخصة قيادة أو استخراج رخصة سيارة أو بطاقة شخصية أو استخراج ترخيص مباني أو مصنع أو محل أو في حسم نزاع قضائي أو تصحيح اعتداء أو استرداد حق ضائع ،وكلها تتم في الدول المتقدمة  والدول الناجحة بطريقة شبه أوتوماتيكية وفي دقائق شبه معدودة بينما يستغرق كل مطلب من هذه المطالب كل مواطن ( استمرار لعصور الإقطاع ) أسابيع أو شهور أو سنين من المعاناة والمصاريف الغير مشروعة في أغلب الأحيان.

 

والعجيب أنه في المجتمعات التي يسود فيها اقتصاد العراقيل هذا استمرارا لفكر الاستعمار والتخلف ،تجد فيها أعلى درجات الفساد المتصورة ،تجد فيها رخص المباني في الأماكن الممنوعة ورخص المصانع الملوثة للبيئة وكل ما تتصوره من مخلفات وخطايا ضد المواطن والبيئة وتجد فيها أعلى نسبة من البطاقات والرخص المضروبة والشهادات الجنسية المعطاة بدون سبب وبدون وجه حق .... الخ.

 

يحضر الأستاذ الأمريكي مؤتمراً في أي مجال ،فيعجب بموهبة صاعدة واضحة المعالم لعالم شاب جديد في مجاله فيتعاقد معه فوراً ليضعه في جامعته كأستاذ زائر ويحصل له على كل المسوغات المطلوبة، كما تقبل جامعته اختياره مباشرة كما تأتى الموهبة إلى جامعتها الجديدة في أمريكا لتعمل 24 ساعة في اليوم في العطاء والبناء والمساهمة في اختراقات علمية وبحثية وفي تعليم وتعلم مهارات جديدة وقدرات مطلوبة ولكن كانت بعيدة المنال ،أما عندنا فإذا أراد الأستاذ الجامعي أن يضم موهبة من المواهب الموجودة في العالم إلى الفريق الذي ينتمي إليه فإنه يمر بأهوال وتعقيدات التي غالباً ما تنتهي بالفشل.

تكرار مستمر لأنماط الاستعمار والإقطاع والطغيان الجاثم على الغالبية العظمى من الشعب ليضمن شلهم عن الحركة لدرجة تعطي للنظام وللمستعمر الأجنبي الأمان. كيف إذن ولدنا المستعمر الأجنبي وآليات الطغيان والسيطرة من أنفسنا وبأنفسنا وكيف نتعامى عن تسمية الأشياء بمسمياتها وإلى أن هذه الطريقة تخلق الفقر وتولد الاعتمادية توليداً ولا يزال البعض بكل أسف وأسى يعتقد أن الفقر والغنى هم أموال في خزائن البنوك أو حتى في ميزانية الدولة ولكن لكل ذي عينين يرى بوضوح أن الثراء الحقيقي هو استغلال العطاء الجيني الهائل الذي يودعه الله سبحانه و تعالى في كل جيل ثروة طائلة وطاهرة جاهزة ومتعطشة للنمو والازدهار لا مثيل لها ولا تقدر بأموال الدنيا كلها ولا ببترول الدنيا كلها ولكنها تحتاج إلى تنمية وتغذية من الخوف والشعور بالذنب والإحباط المستمر والحق في الفعل والتجريب.

 

أن ما رصدته في رحلتي الطويلة في الحرمان المتكرر الفاضح أجيال بعد أجيال بعد أجيال في الثراء الجيني الذي أعطاه الله لأهل مصر متفوقاً على كل بترول المنطقة يؤكد لي أن عقد النسيج العنكبوتي الذي تغذيه السلطات الغبية والمتخلفة والمقلدة للاستعمار جيل بعد جيل بعد جيل هي المولدة الحقيقية للفقر والتخلف.

 

من الواضح أيضاً لكل ذي عينين أن إهدار الثروة الجينية ليس فقط جريمة البيروقراطية المعرقلة والسلطة المعادية للتطور وللتحرك والمضادة للإبداع ولكنها أيضاً جريمة المنظومة التعليمية التي تفشل في تغذية وازدهار وتنمية الثراء الجيني بعد كل جيل وفي تكوين المناخ الصالح لازدهار القدرات الجينية الأقصى مراحلها للتحرر من الإثم والذنب والتخويف ويلعب الدور الأساسي في هذه العملية الإجرامية التي تتم عبر أجيال الخلفية الفلسفية المريضة للتعليم والخلفية الفقهية المريضة في فهم الدين حيث يستعمل الدين – و لنا أمثلة عديدة عبر العصور- كحليف أساسي للحكم ألطغياني و ترسيخ معاني الظلم و الطغيان و ترسيخ معالم الحكم الطغياني.

Comments