News

قوة النمو

طارق علي حسن
Ghandi
2-October-2018

قوة النمو

 

طالما لاحظت في المزارات السياحية وبعض المباني الحديثة نسبياً نباتات تخترق الصخر وتخترق الأسمنت المسلح، وكلما شاهدت هذا المنظر العجيب تنبهت إلى ما أودعه الخالق وما أودعته الحياة من قوة لعملية النمو التي لا يقف في طريقها شيء، وهذا ينبهنا إلى أن هناك للحياة قوة نمو تحدث وتحقق نفسها مهما كانت المعوقات والنكسات، وهي إحدى معوقات الحياة.

ونرى أن هذا الحدث المبهر لا يحدث فقط على مستوى خلية أو نبات أو ميكروب يقاوم بعبقريته عوامل الفناء والقهر، ولكن قوة النمو هذه ظاهرة بالغة الحكمة، وهي الإنقاذ الحقيقي للمجتمعات الإنسانية.

فالناظر للتاريخ وتاريخ التطور الإنساني للمجتمعات البشرية بالذات يلاحظ خط نمائي تطوري لا يمكن إنكاره ولا الهروب منه عبر القرون.

وكثيراً ما نتباكى ونولول في كل عصر من أن كل شيء ضاع، والقيم والأخلاق انهارت، والطغيان والفساد عم، والظلام حل، وقد يكون هذا صحيحاً من وجهة نظر ضيقة ومن منظور قصير، ولكن النظرة البعيدة للتاريخ تخبرنا دائماً أنه مهما حدث من انهيار وانتصار للطغيان وقوى الظلام والانتكاسات، فإن النمو والتطور حادث حادث ولا إيقاف له مهما ساد الطغيان ومهما ساد الظلام، ولعل هذا المفهوم هو مصدر الحكمة التي تقول "دولة الظلم ساعة ودولة الحق إلى قيام الساعة".

فكأن البشرية لحكمة إلهية كبرى تسير نحو التقدم والاستنارة وتتخطى آليات الظلم والإظلام، كما تسير نحو إعمال العدل والعدالة وسيادة الحق والحقوق بخطى ثابتة تكاد تكون غير محسوسة. والحقيقة أنه تقدم يبدو من خلال حياتنا الإنسانية القصيرة أنه تقدم شديد البطء، ولكن من منظور كوني واسع فهو تقدم حادث وأكيد ،وهو قوي مثل نمو الشجرة مخترقة الحجر والأسمنت.

والأمل هنا يأتي من معجزة الحياة ومعجزة النفس البشرية التي مهما بلغ من شرها ومن اندفاعاتها الجاهلة المضادة للحياة، فقد وضع فيها الخالق بذور الاشتياق إلى العدل وإلى التوازن وإلى النمو والتطور.

والقارئ للتاريخ يجد أن كل عصر تقريباً بلا استثناء تباكى أهله على انهيار القيم والأخلاق وضياعها، وعلى سيادة الظلم والقهر والطغيان . ومع ذلك فالنظرة الواسعة إلى التاريخ ترينا أن الحياة الإنسانية في تقدم مستمر نحو العدل ونحو التوازن السليم، ونحو الاحترام المتنامي للحياة الإنسانية، بل وكافة الكائنات الحية وللأرض الأم.

                                                       

 

 

Comments