News

صلاح جاهين ولحظة فارقة

طارق علي حسن
Political and Social
23-November-2018

صلاح جاهين ولحظة فارقة

 

نشرت جريدة المصري اليوم بتاريخ 28/12/2007 صفحة عن صلاح جاهين بمناسبة مرور 77 عاماً على مولده في 25 ديسمبر عام 1930. ولست أعرف لماذا بالضبط ولكني أرى في صلاح جاهين صعوده ثم انحداره إلى الاكتئاب بعد 67 ،قصة مصر الحديثة عاشها في نفسه وبنفسه.

ومن المراحل الفارقة ما كتبت عنه الصحيفة تحت عنوان "معركة المنبر والكاريكاتير بين الشيخ والرسام"

ورغم أنني أشارك الغالبية في أن أحمل قدراً كبيراً من الاحترام والتقدير للشيخ محمد الغزالي رغم الاختلاف معه في الرأي فإنني أرى أن حادثة المواجهة بين الفنان الأديب وبين الإمام، والتي انبثقت أحداثها في عام 1962 أثناء انعقاد المؤتمر الوطني للقوة الشعبية برئاسة جمال عبد الناصر كانت حادثة فارقة دفعت معها حركة النهضة المصرية إلى أحد الحلزونات التي تشد المجتمعات إلى الخلف وإلى الوراء.

فأذكر أن مصر والمصريين مروا بفترات من الآمال الكبرى والإحباطات الكبرى أيضاً ،وكانت الحال بعد يوليو 1952 من فترات الآمال الكبرى تبعتها بسرعة أحداث مارس 1954 ومثلت إحباطات كبرى ثم أحداث تأميم القناة سنة 1956 وما تبعه من النجاح المصري العالمي في هذه المواجهة بين عالم الاستعمار المسيطر وبين عالم الدول النامية من انتصار رائع للدول النامية والذي ولد معه انبثاق لأحلام كبرى.

وكنا لا نزال في فترة الأحلام الكبرى بدرجة أن تم التخدير العام ،ولم يع أحد بأن عبد الناصر ضيع فرصة كبرى بعد تحقيق النصر في عدوان 1956 بأنه لم يذهب إلى الشعب ليسلمه مقاليد الأمور ومقاليد السلطة عن طريق انتخابات حرة نزيهة مدنية حقيقية ،ولعله دون أن يدري حين اختار استمرار الحكم العسكري المبني على الانتخابات والاستفتاءات المصطنعة كان بذلك يخذل نفسه ويخذل الجيش ويخذل الثورة.

أي أن فترة الأحلام والطموحات الهائلة ،لا تزال موجودة رغم أن فرصتها العظمى ضيعت بين 1956 ، 1958 وكان المؤتمر الشعبي في صيف 1962 أحد فترات هذه الأحلام الكبرى. فها هي مصر وقد تحدت وهزمت أعتى دول الاستعمار، وها هي مصر على أبواب ما بدا أنه وحدة عربية حقيقية، وها هي مصر المؤهلة للنهضة بكل المعايير تطلب من حكامها وقادتها المنتصرين أن يمكنوها ويمكنوا شعبها من مقاليد النهضة والنجاح والتطور ومن أهمها تطبيق آمال حرية التعبير والتفكير والإبداع وحرية المبدع والفنان في أن يجول بعبقريته وفنه في كل مجال وفي كل مكان.

وقد صدق هذه الآمال الكبرى بعض الرواد ومنهم صلاح جاهين وخرجت بعد انتصارات أواخر الخمسينيات سلسلة من الروائع العبقرية ،ودرر من الفكر والتفكير الحر والجرئ ، وقدرة على تجول الفنان والأديب والمحلل في كل أرجاء المجتمع وعناصره بخلطة من الجرأة الكاشفة والفكاهة الكاشفة والتي كانت كفيلة بالتدريج بتحرير المجتمع من عقده ومن سجنه في مسلمات مستقيمة مغلقة تؤكد استمرار المجتمع في حالة محلك سر.

وقد انتقل صلاح جاهين بأحداث محددة قد يكون أحد أطرافها فرد نكن له كل التقدير ولكن شاءت الأقدار والظروف أن يمثل هذه المواجهة قوى الثبات والتثبيت ورفض التطور،وأذكر من ذكرياتي الخاصة حماس الوفود التي جاءت إلى المؤتمر الوطني وكلام صلاح جاهين المجتمع على إقحام أفكار ثابته مغلقة مسبقة من الدين على حدث سياسي اجتماعي هائل ونابض بالحيوية وبالصدق وبالوعد بالنهضة والتغيير.

وعلق صلاح جاهين على كلمات الأعضاء المحملة بالحماس بمعناه جاء المصريون من كل صوب وحدب ،لينطلقوا إلى نهضة تسابق العالم وتسبقه وتكلم من تكلم عن التعليم وعن الصحة وعن الجامعة وعن البحث العلمي وعن العدالة الاجتماعية وعن الحرية وعن الديمقراطية ثم انبرى الشيخ الجليل ليترك هذا الكلام الهام ويقول ـ على حد قول صلاح جاهين ـ هدوم الستات لازم يكونوا طوال.

وينبهت صلاح جاهين لأن ما تقدم من أفكار لتطوير المجتمع ورفع مستوى الإنسان في مجال العدالة الاجتماعية والصحية والتعليم والثقافة والحرية هو في صميم الدين ولكل من يردد أن الإسلام دين ودولة أن يعطي لنفسه قدراً من التأمل والتحليل الهادئ ليصل إلى هذه النتيجة الواضحة والتي وصل إليها صلاح جاهين في مواجهته مع الشيخ الغزالي عام 1962.

فهل قضية الدين أن تكون هدوم الستات طوال على رأي صلاح جاهين أم قضية عدل وعدالة وحرية وإنتاج ومحاربة الفقر والعوز ومحاربة المرض والجهل والاعتمادية ؟

كان صلاح جاهين يشير إلى الاختلال المفاهيمي الذي اتجه بالدين إلى مظاهر وترك العمل الجاد الدؤوب على أرض الواقع الذي يخاص بإفراز آليات وسلوكيات العدل والعدالة والحرية والإنتاج

 والمهم في هذه المواجهة هو لجوء أحد الأطراف إلى كسر قنوات الحوار والمواجهة الضعيفة وإلى تحريض الشباب من طلاب الأزهر على الهجوم العنيف على الأهرام.

وقد التزم صلاح جاهين بموقفه في المواجهة ليس من منظور الغرور ولا من منظور عدم الاحترام للشيخ الغزالي ،ولكن من منظور مبدأ التفرقة الواضحة والدفاع عن حق المصريين في أن يكونوا الفهم للإسلام كسلوكيات وآليات نحو أهداف عظمى تشمل حق الفنان والكاتب في التحليل والنقد الذي يصل إلى كل المؤسسات بما فيها المؤسسة الدينية دون السماح بانزلاق المجتمع إلى مزنق تقديس مؤسسة من المؤسسات أو أي رمز من رموزها.

وطالما دفعنا الثمن غالياً من تقديس رجال الدين وتقديس السياسيين والرموز التاريخية. وكل هذا النوع من السلوكيات هي تنويعات على مفهوم الأصنام المقدسة الذي هو مضاد لجوهر الإسلام على خط مستقيم.

اعتقد صلاح جاهين أنه يدافع عن قضية عظمى فتمسك بموقفه بل تمادى فيه وكان أن نشرت له الأهرام بعد الزوبعة الأولى عدة كاريكاتيرات وأشعار عامية بديعة.

والذي يهمنى في هذا المجال هو الإشارة إلى موقف السلطة العسكرية الضباطية من هذه المواجهة ومن الواضح أنه عبر التاريخ هناك دائماً أطراف تود أن تتاجر بالدين وتزايد بالدين فتستعمله كحليف لها في معاركها السياسية أو الشعبية، وهو ما حدث بالضبط بكل أسف وأسى، وفقدت مصر معركة لا تقل أهمية في رأي عن معركة المواجهة مع الاستعمار القديم في 1956 ولكن هذه المرة فقدت مصر المعركة وكان الميسر لعملية الهزيمة الفكرية والمجتمعية في هذه المواجهة هو الصاغ جمال الدين حسين وزير التربية والتعليم والذي كان وقتها نائباً لرئيس الجمهورية والأمين العام للمؤتمر الوطنى للقوى الشعبية.

ورغم أن مقال المصري اليوم لا يذكر ذلك إلا أنني أذكر أن المواجهة انتهت بانسحاب صلاح جاهين واعتذار مباشر أو غير مباشر. أي أن مصر هزمت في هذه المواجهة مبكراً وفقدت حقها في التعبير والحوار الصريح في المواضيع الدينية والمواضيع التي تمس الرموز الدينية المفروض أنهم فوق النقد ،ولا مانع أن يركب السياسيون فوق هذه الموجة ويعتبروا أنفسهم فوق النقد.

ومن ثم المنهزم في هذه المعركة ليس فرداً ولكن المجتمع بأكمله تتكاثر عليه الجذر المقدسة التي لا تمس شيئاً فشيئاً حتى يجد نفسه في النهاية أعمى وأطرش وأخرس تجاه كافة الممارسات السلبية والانحرافات التي قد يمارسها الأقوياء في المجتمع تحت أي عذر وأي حماية. إما حماية المال أو حماية السلطة أو حماية البندقية.

وهذه بالمعنى الطبي البسيط روشتة أكيدة للانهيار والخراب المجتمعي والسلوكي الذي قد يرى البعض أننا نعاني منه الآن.

ويعجب الكثيرون كيف أتصور أو أدعي أن حادثة تافهة مثل هذه قد تكون بذرة لتخريب مجتمع بأسره. ولكني أقول أن كل الاخطبوطات الشيطانية التي تمسك بتلابيب المجتمعات وتعطلها عن التطور والتقدم تنبع في الأصل من بذور تبدو أنها تافهة تمام التفاهة مثل أن يرى واحد ظلماً أو تعسفاً أو تعذيباً قد يبدو حدثاً بلا أهمية ، كما لو يعين أستاذ جامعي واحد بالواسطة أو القرابة قد يبدو عملاً بلا أهمية، ولكن هناك مواصف في المكان والزمان يجعل الحدث الذي يبدو تافهاً هو في الواقع لحظة فارقة في تطور الأمم والشعوب.

كما أن هناك لحظات فارقة في تطور ونمو الإنسان قد يؤثر عليه الانحراف في هذه اللحظة تأثيراً يدوم معه العمر كله ويفسد عليه حياته.

العجيب أن صلاح جاهين وهو من هو ويمكن أن يقال عنه بحق شاعر الثورة وصورتها الأكبر والتجسيد الحقيقي لآمال المصريين منذ أوائل الستينات بعد انتصارهم المدوي في 1956 وما بعدها ينتهي إلى حالة إحباط واكتئاب حتى يغادرنا محبطاً مكتئباً.

ولا نسأل كيف ولماذا، كما لا نسأل لماذا غادرنا يوسف إدريس محبطاً مكتئباً؟

فهل تحرك هذه المقالة بعض الملكات النقدية التحليلية التي تسعى لفهم الأشياء ؟

وهل نذكر من جديد أن هناك لحظات فارقة في تاريخ الأمم والشعوب تحلل الخيار بين التحرك إلى الأمام أوالانتكاس إلى الخلف؟

وهل كان صلاح جاهين يتنبأ بما لم نكن نتصوره عندما تطورت الحملة المضادة له فرسم كاريكاتيراً جديداً لنفسه واقفاً أمام منصة القضاء وخلفه الشيخ الجليل وقد رشق صلاح جاهين في ظهره بخنجر مكتوب عليه الإرهاب.

فهل فهم صلاح جاهين في هذه اللحظة المبكرة العلاقة بين الحجر الفكري والفني والتعبيري باسم الدين والإرهاب ؟

وهل إذا فهمنا ذلك الآن نستطيع أن نواجه أنواع الحجر بكافة تنويعاتها كي تساعدنا هذه الحريات الضرورية في تجفيف منابع الإرهاب ؟ وهل رأينا هذا الحدث الدال قبل أن يولد في اضطهاد قاسم أمين والشيخ علي عبد الرازق  ثم طه حسين و هل كان يحمل بذرة المأساة التي اغتالت فرج فودة و كادت تغتال نجيب محفوظ وبذرة ما تعرض له نصر حامد أبو زيد.

Comments