News

يولد الإنسان وحيداً

طارق علي حسن
Ghandi
25-September-2018

يولد الإنسان وحيداً

 

يدخل إلى الدنيا وحيداً ويخرج وحيداً ويسير على الصراط وحيداً ،فأولاً فهو في جنة الرحم ،يفاجأ بالخروج من هذه الجنة بلا سبب يفهمه ،ويمر بكل رعب مصادر الحياة من تغذية وأكسجين وهي تنتهي  بالتدريج حين تبدأ المشيمة بالانفصال عن جدار الرحم ،والطفل يُدفع دفعاً إلى قناة الولادة الضيقة ،فينكبس بداخلها وحيداً محبوساً مكبوساً ،لا يعلم إلى أين المصير ،ولا أسباب هذا الزلزال الذي يدعكه دعكاً ويسحقه سحقاً، فإذا خرج للعالم الخارجي فهو يمر بثوان فيها رحمة الخروج من مكبس قناة الولادة القاصي ،ولكنه يعيش رعب انقطاع كل مصادر الحياة من غذاء وأكسجين حتى تتحرك رئتاه بالأنفاس الأولى التي تغذي الجسم المصدوم بأكسجين الحياة من جديد.

ثم يمر بنا العمر عبر علاقات متعددة كلها بلا استثناء يشوبها مع التطوير آلام الإحباط ،وضيق الأمل والصراع الخفي والمعلن والألم ،وهو قدر العلاقات الإنسانية مهما غلفناها بطابع الحب والعشق والأغاني الرومانتيكية ،وهذا المنظور ينطبق على كل العلاقات الإنسانية عدا علاقة الأمومة.

فالأمومة هي العلاقة الوحيدة في العلاقات الإنسانية في الحياة التي تغذي فيها الأم هذا الكائن بداخلها ،وهي ترحب بهذه التغذية في أغلب الأحيان ،وتعلم أن هذا الكائن الذي تغذيه وتنميه في طريقه لأن يخرج إلى الحياة ويكبر ويقوى وتعلم أنه في طريقه لأن يتركها ،وهذا هو الحب الحقيقي الذي ليس له مثيل ،فهو الحب القادر على أن يغذي وينمي حتى مع مخاطرة نمو وتغير المحب إلى درجة الترك.

وهو عكس الحب الأكثر سواداً في الحياة الإنسانية ،وهو الحب الذي يسعى ليضع المحبوب في الإطار الرومانتيكي الجميل الذي يصنعه الحب للمحبوب والعكس ،ومؤد كل هذه الأنواع من الحب والعلاقات هي شعور متصاعد بالوحدة بين أطراف العلاقات.

ثم يأتي الإنسان في أزمته الأخيرة فيلقي بحبه وماله على أطباء وعلى أصدقاء وعلى أحبة ،وكل هذه الديناميكية مآلها إلى الفشل والخذلان. أما لماذا فهذا راجع إلى طبيعة الحياة  التي قال عنها بعض المتشائمين أنها مرض مستعصي ينتهي دائماً بالموت.

وببساطة نرى أن هذا المنظور ليس مجرد منظور تشاؤمي ولكنه منظور واقعي، فلا الطبيب ولا المحب ولا الصديق مهما بلغ إخلاصهم وولاؤهم وعلمهم بقادرين على منع الموت عن أحد ،ولا عن أنفسهم في المستقبل القريب أو البعيد ،وبالتالي فكأنما مكتوب علينا في إطار النسيج الثقافي الذي نعيشه أن يخذل بعضنا بعضاً ساعة الحاجة ،إلا أن يتغير منظورنا الثقافي بطريقة تفهم بموضوعية وببساطة وقبول احترام الحياة وحتمية الموت.

وفي التاريخ الاجتماعي كان ألم وخوف وثورة الإنسان من حقيقة الوحدة هذه يصل إلى درجة أن كان الناس في بعض الحضارات يدفنون معهم أبنائهم ومحبيهم وأصدقائهم، ثم بعد أن تطور الوعي أصبحوا يكتفون ببعض رموز لهم يأملون أن تؤنس رحلة الوحدة هذه، وبلغ من محاولة اختراق هذه الوحدة أن كانت الزوجة المخلصة والأصدقاء المخلصين يلقون بأنفسهم في النار مع جثة الزوج أو الصديق المفارق للحياة وهم كما نعلم يحرقون الجثث ويلقون برمادها في الأنهار المقدسة عندهم.

ولكن هيهات أن تُحدث كل هذه الأفعال الدراماتيكية الوحشية مجرد ثقب في جدار رحلة الوحدة الإنسانية.

 

Comments