News

الموت في صقيع الوحدة

طارق علي حسن
Alternative Health and Medicine
3-August-2016

الموت في صقيع الوحدة والتكييف!

 

الجميع يخاف من الموت وهذا الموقف إنساني طبيعي لا يتخطاه إلا الأنبياء والمتصوفون والذين وصلوا إلى إعلى مراحل التطور الإنساني. وغير هذه الاستثناءات النادرة فالجميع بطبيعة الحال يخاف من الموت. وعندما يهل شبح الموت يهرب الطبيب أو يتهرب، فهو غير متعود ثقافياً وتعليمياً على مواقف الموت ولا يستطيع فيه الفعل المؤثر.

موقف الموت موقف نهرب منه ثقافياً جميعاً مع أنه الموقف المحتوم لنا جميعاً، ويليق بنا أن نعد أنفسنا له، وبدون الإعداد والتعليم والثقافة فللطبيب أمام هذا الموقف إما الهرب أو تمثيل الفعل المؤثرالذي يعلم داخليا أنه بلا تأثير، وذلك بالمزيد من التداخلات التي لا تفيد ولكن تمثل إزعاجاً وربما آلاماً مستمرة للمريض و تكلفة عقابية يبدو أنها تريح الجميع!!. فكثيراً من المراحل نجد كثير من التداخلات تعالج الطبيب وأهل المريض أكثر مما تعالج المريض نفسه صاحب الشأن.

ومع دخول الطب التجاري في الميزان فلا مانع من هذه الثقافة الناقصة حيث أن وراءها ما وراءها من مكاسب ومزايا.

أما المريض الذي يحوم حوله شبح الموت فإنه يكاد يكون معزولاً مقهوراً يفعل به ما يفعل بإرادته أو ضد إرادته، والجميع في نسيجنا الثقافي يخاف منه ويكاد يلومه على دخوله في حالة ميئوس منها ومن علاجها. فالكل يهرب من هذا الموقف وفي النهاية يموت المريض عندنا منبوذاً وحيداً محروماً من الدفء الإنساني والتدعيم المعنوي والعاطفي لأقرب الناس وأحبهم.

الأهل : عواطف هستيرية غير مرشدة وغير مفيدة واستعداد للتعويض بالاندفاع في تكاليف كبيرة لإجراءات لا تفيد .

الطبيب : انسحاب وهروب أو الدخول في إغراء ادعاء بتدخلات غير مفيدة وغير مبررة علمياً.

هيئة التمريض : غير مدربة على مواجهة الموقف.

أما الأهل الذين لم يتدربوا أو يعلموا أو يثقفوا على التصرف الحكيم والواعي تجاه الموت فكثيراً ما يضطر الفريق الطبي إلى عزلهم ومنعهم. وهذا أسوأ ما يمكن فعله. فالطبيعي أن المحتضر يسعد ويدعم بأقرب الناس إليه يقودانه إلى حالة من الهدوء والدفء والتدعيم، وليذكر الطب الحديث أن الحق في الحياة له توأم ألا وهو الحق في الموت الكريم بين الأحباء والأصدقاء في دفء ومودة وخلو من الآلام والعذاب الغير ضروري، وخلو من التداخلات الهستيرية التي تعالج الطبيب وتمثل أمام الأهل تمثيلية الفعل بلا فعالية.

وكان مجتمعنا في مطلع القرن وهو أكثر بدائية بكثير والطب أكثر بدائية بكثير واعياً بحق الموت الكريم، فكان الطبيب لا يتحرج من أن يخبر أقرب الأقرباء من أهل المريض بالحقيقة في الحالات الميئوس منها طبياً دون التعدي على قدرات ومعجزات الخالق سبحانه وتعالى، وكان السلوك الطبي المعتاد في هذا الأحوال هو إرسال المريض إلى منزله وسط أهله، ممارسة للحق في الموت الكريم. وكان ذلك قبل التقدم المذهل في الطب وفي أجهزة الحفاظ على الحياة اصطناعياً وفي التطور المذهل للعقاقير والجراحات.

وبكل أسف لم يواكب هذا التطور الهائل والمذهل تطور موازي في الحكمة والمنظور الاستراتيجي في الصحة والمرض ودورة الحياة والموت وإلى حتمية الموت الذي هو حق علينا جميعاً. فكان أن حدث التطور دون الحكمة. والآن أصبح لا يليق بالطبيب والطب المعجزة أن يقول للمريض أو لأهله أن الحالة أصبحت ميئوس منها (في إطار إيماني مستمر طبعاً).

وبناء على هذا يشد المريض القادر إلى دورة التداخلات والإجراءات في الرعاية المركزة وسقيع الوحدة والتكييف شديد البرودة فعلياً ومعنوياً حتى النهاية محروماً من حق الموت الكريم الذي تكلمنا عنه.

وكلما تقدم المريض في السلم الاجتماعي والمادي كلما مورست عليه هذه الآليات التي لا يفلت منها إلا محدودي الدخل والفقراء لعدم إمكانهم مواجهة أعباء الرعاية الطبية النهائية الغير مرشدة. فكأنهم دون أن يدروا ينجون بأعجوبة من دورة أكاد أسميها دورة غير إنسانية تمارس على القادرين.

ولعل من أهم الاختراقات الطبية الحديثة التي يجدر أن نذكرها ونستعملها في مراحل الحياة النهائية هي التقدم الطبي والمذهل في علاج الألم والتحكم فيه. وبكل أسى وأسف نتحرك في هذا المجال بتحفظ وخوف وخلط يصل إلى درجة الإجرام أحيانا بالنسبة لإهمال قضية مواجهة الألم في المراحل النهائية من الحياة. وكل ذلك بسبب تربية المهن الطبية على الخوف من استعمال العقاقير المخدرة بدعوى أننا مجتمع ضد المخدرات. بينما تعتبر المخدرات وعلى رأسها المورفين ومشتقاته والتي اكتشف الطب مؤخراً أن الله برمج الجسم الإنساني ليفرزها داخلياً ـ هو من نعم الله على البشرية ـ التي نقصر في حق الإنسانية وحق الخالق عندما لا نستعملها بحرية وجرأة في مجالها ولا نخلط ذلك مع استعمالها في مجال الإدمان والضرر وهو مجال اعتداء على الإنسان والبشرية محرم بالطبيعة.

ولكن كيف يتعين الاستمرار في الحياة مع هذا الخلط المذموم، وتفخر معظم مراكز علاج ورعاية المصابين بالأمراض السرطانية المتقدمة أن الطب الحديث أصبح قادراً على رعاية المريض حتى آخر لحظة دون أن يعاني الألم.

مجال الرعاية النهائية للإنسان في رحلته الأخيرة مجال لا يدرس، ولا يدرس عندنا ويكاد يكون مجالاً ممنوعاً ومجالاً حرماً، بل إنني أكاد أستمع لبعض القراء وهم يمتعضون لدخولي في هذا الموضوع المفزع والمقبض.

ورغم كل هذه المحاذير والمشاعر الرافضة والسلبية فإن الحاجة العلمية والطبية للدخول في هذه المنطقة الحساسة من حياة البشر والتي يعلم الجميع في قرارة أنفسهم أنها رحلة مؤكدة قادمة بلا شك على الأحبة وعلى النفس. فهل نواجه هذا بالإنكار أم نواجهه بالدراسة والتحليل وتحسين مستوى التداخلات الطبية والتمريضية في هذه المرحلة الحياتية التي ستأتي حتماً للجميع. من قسوة و شدة القصور و سوء الأداء في هذا المجال أصبح من رحمة الخالق سبحانه و تعالي علي الانسان أن يأخذه إلي جواره حين يأتي الأجل فجأة بسكتة دماغية أو قلبية نهائية دون المرور في شهور من معاناة قصور الرعاية النهائية في مجتمعنا علما و تعليما و بحثا و ممارسة.

 

 

Comments