News

تعارض وتضارب المصالح في الطب الحديث وفي البحث العلمي

طارق علي حسن
Alternative Health and Medicine
23-November-2018

تعارض وتضارب المصالح في الطب الحديث وفي البحث العلمي

 

من المتفق عليه أن الحيادية المطلقة تكاد تكون في الحياة الإنسانية لأسباب عديدة بالغة العمق لا مجال هنا لتحليلها ولذلك اتفق الجميع في المجتمعات الجادة والمتقدمة على أن علاج ديناميات التحيز الظاهر والخفي في مجال الطب والعلوم ممارسةً وبحثاً يكون بغرض الشفافية الكاملة على خطوات وإجراءات الممارسة والبحث وخطواتها وأساليب تمويلها وانتماءات كافة الأطراف المشاركين، كما ينفتح المجال طبيعياً لسوق الآراء والأفكار المضادة كجزء لا يتجزأ من أمانة الأداء.

ورغم أن هذه المفاهيم أصبحت أكيدة ومرسخة في الأوساط العلمية المحترمة في المجتمعات الناضجة إلا أننا لا نزال في أول الطريق بالنسبة لإرساء هذه المبادئ في الطب وفي البحث العلمي.

وقد نشطت عندنا ظاهرة تدعو للقلق وهي أن الشركات الدوائية أصبحت الممول الرئيسي للمؤتمرات الطبية والعلمية على كافة المستويات وأصبحت تستعمل هذه المؤتمرات والاجتماعات العلمية لتقديم ما تنتجه من منتجات وللإعلام عنه بلا حرج ودون وجود تقاليد تمنع استعمال المؤتمر العلمي كدعاية أو تفرض على الباحث أن يشرح بوضوح الذي مول بحثه كان طرف له مصلحة أن يشير البحث إلى نتائج إيجابية لدواء أو منتج معين ،وأنبه بكل أسف وأسى أننا نفتقد لثقافة الرفض لموضوع تعارض المصالح هذه بل حتى نفتقد ثقافة الفهم العميق لمعنى الحيادية في أي موضوع كما نفتقد تعليمياً التحضير لاستيعاب شروط الحيادية العلمية في الأمور ومتطلباتها.

ويأخذنا هذا إلى مجالات بالغة الدقة والحساسية في الممارسة الطبية الحديثة ولا تدعم عندنا بإحصاءات كافية وواضحة أو حيادية ونطالب بذلك. فهل هناك إحصاءات لكم من العمليات تجرى بدون داع؟ وإحصاءات لكمية العقاقير التي توصف للمرضى أو للأصحاء بدون أن تكون مدعمة بالدلائل الكافية أو أن تنطبق عليها شروط ما يسمى حديثاً في الطب Evidence Medicine أي الممارسة الطبية والدوائية والجراحية والتدخلية المدعمة بالدلائل العلمية الحيادية.

حين بدأت مبادئ العلم والطب الممارسة العلمية المبنية على الدلائل تأخذ دورها الحقيقي في الطب ذهلت الأوساط الطبية لكمية العمليات التي تجرى دون أن يكون هناك دليل واضح على فائدتها أيضاً.

وكان أن تغيرت اقتصاديات الصحة تغيراً جذرياً إلى الأحسن في الدول التي طبقت هذه المفاهيم بإخلاص وبجدية دون أن تحدث أضرار حقيقية للأطباء إلا القلة القليلة منهم الذين ينظرون إلى الطب على أنه وسيلة للكسب المادي السريع وهؤلاء والحمد لله قلة قليلة في مهنة من أرقى وأرفع ما يمكن للإنسان أن يمتهنه.

وإذا انتقلنا من مجال الأدوية والجراحات الغير مبررة نجد أنه أمامنا ومع التطور المذهل وأجهزة الحفاظ على الحياة خلط كبير وعدم وضوح رؤية في استراتيجية استعمال هذه الأجهزة واستعمال أقسام الرعاية المركزة. وهنا نعود لقضية تضارب المصالح التي بدأنا بها وهو أن هذه الأجهزة المكلفة تولد في أصحابها سواء كانوا من الأطباء أو غيرهم تحيزاً ما لاستعمالها سواء كانت مطلوبة ومبررة علمياً بحق أم لا وهنا مكمن الخطر ،وهنا نطلب أن تكون هناك استراتيجية واضحة لاستعمال مراكز الرعاية المركزة والأجهزة المتطورة وهي قضية أشار إليها المرحوم/ محمد صادق صبور في مقالة الوجه الآخر للطب ،وأشير إليها مرة أخرى ربما برفق حيث أن مقال الدكتور صبور الهام لم يلقى سوى الإهمال والتجاهل طوال ربع قرن أو يزيد رغم أهميته الحيوية.

فإذا انتقلنا من مجال الرعاية المركزة والأجهزة المتطورة وميلاد شبهة تعارض المصالح بين أصحاب هذه الأجهزة وبين عملية الرعاية الاقتصادية الفعالة بصحة المواطنين في المجتمع نجد أنفسنا في قضية أخرى بالغة الخطر وتهم الجميع ألا وهي قضية نقل وزرع الأعضاء.

نحمد الله كثيراً على أن المجال الذي أثبتت فيه عملية زرع الأعضاء أكبر نجاحاته وقدم للمجتمع أعظم أفضاله كان ولا يزال في مجال زراعة الكلى وزراعة القرنية وزراعة فص من الكبد، وكل ما تقدم والحمد لله يمكن تنفيذه وتقدم جراحاته وتطور فرق العمل به بأخذ الأجزاء المنقولة من متوفين حديثاً أو من أحياء لا يتعرضون لمخاطر غير مقبولة في حالة تبرعهم بالعضو المطلوب ،أي أننا نجد أن أهم وأنجح عمليات زرع الأعضاء يمكن أن تنجح وتتطور دون الدخول مطلقاً في النزاع الحساس بشأن تعريف الموت وهو الذي يختلف جزئياً وكلياً عن الرؤية الثقافية والاجتماعية للموت.

أما فيما يختص بزرع القلوب فهنا نأتي إلى القضية الحرجة حقاً وهو أنه لزرع قلب يقتضي الأمر أخذ قلب حي ونابض من مريض شخص الأطباء أنه أصيب بما يسمى بوفاة جذع المخ ولكنه لدى المجتمع ولدى أهله ولدى بعض رجال الدين حي طالما به قلب ينبض. ولدى الأطباء الذين قد تختلف مفاهيمهم ودينامياتهم في ذلك. وهنا مكمن الخطر في أن يصبح المريض متوفى بمعايير أخرى تشمل المخ وجذعه ولا تشمل القلب والدورة الدموية.

فها نحن نواجه عدة محاذير .. الأول هو الفرق بين تعريف الموت لدى النسيج الثقافي في المجتمع السائد وتعريف الموت لدى الطب الحديث الذي قدم لنا اختراقات زرع القلب وزرع الرئتين أيضاً ورزع الكبد بالكامل.

ومن الهام جداً ألا نقع في فخ تعارض وتضاد المصلحة بين المهن الطبية وبين الإنسان العادي في المجتمع.

ومن يستطيع أن ينكر أن الجراح العبقري الذي لديه مريض في حالة متدهورة ينتظر عملية زرع قلب لا ينظر إلى شاب مصاب في حادثة سيارة وهو يشتاق إلى إعلان وفاته ليحصل على قلبه النابض لمريضه الذي يحتاج بشدة إلى نقل قلب ؟

نريد أن نجنب الطب والأطباء هذه المشكلة أو المعضلة التي أصبحت باباً للأطباء والمهن الطبية الموازية كلها أن يتكون لديها المصلحة ولو تحت عدم الوعي في وفاة مريض.

ولا أعرف الإجابة عن هذه المشكلة. فمن ذا الذي يتصور حين وفاة المريض أن يتكون لدى الطبيب والطب بطبيعة الحال مصالح عديدة كلما طال وجود المريض على أجهزة الرعاية المركزة في المستشفيات الخاصة بالذات وكلما زاد التعاقد المادي على المستشفى وإدارتها وأطبائها.

ومن جهة أخرى كلما تم التعجيل بإعلان وفاة مريض كلما فتح المجال لكسب هائل من مجال آخر وهو استعمال أعضائه الحية في عمليات زرع أعضاء المرضى القادرين على الدفع.

وقد أقترح حلاً لهذه المعضلة وهو أن يشترط أن يكون لكل عمليات نقل وزرع الأعضاء من بشر قلوبهم تنبض ولكن أعلنت وفاة جذع المخ لديهم أن تكون هذه العمليات بالمجان في مستشفيات تتبناها الدولة بغرض نقل الأعضاء في مصر. وهذا في رأيي أقل ما يمكن أن تقدمه الدولة لو أرادت حقاً نشر نقل وزرع الأعضاء في مصر.

ولا يصح أن تختلط قضية الكسب المادي مع قضية تقرير الوفاة من عدمه وتقرير مدة وجدوى النقل للرعاية المركزة أو فصل الأجهزة المدعمة للحياة.

وعلينا أن تأخذ بجدية من ثقافتنا ومن ممارستنا مفهوم أن فوق كل ذي علم عليم {...... نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مِّن نَّشَاء وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ} (76) سورة يوسف.

ومن جهة أخرى فإننا قد تأخرنا كثيراً في ممارسة المواطنة وثقافة الحقوق الدستورية للأفراد بدرجة أن يتعرف الأفراد معها الغير قادرين على الاعتراض والاحتجاج لديناميات المهن الطبية في ظروف قد تشمل تعارض حقيقي للمصالح وللمفاهيم.

بالمجان أهلاً وسهلاً ولكن أن تدخل عملية تشخيص الموت من عدنه في دورة المصالح المادية والمكاسب المادية في مجمع لا يعرف المواطن فيه حقوقه الدستورية وواجباته، فنحن نربأ بالمهن الطبية أن تدخل في هذا المنزلق الخطير بلا داع حيث أن معظم وأهم عمليات زرع الأعضاء متاحة والحمد لله من هؤلاء المتوفين حديثاً ،وفاة تنطبق عليها الشروط الاجتماعية والمعروفة والمقبولة لدى الجميع.

فلنشرع إذاً في المجال كما يتوجب علينا التشريع وبسرعة من أجل تدعيم أفرقة العمل في هذه المجالات وتشجيعها.

ولنتذكر دائماً ونحن نندفع وراء العمليات المبهرة والأجهزة البديعة أن أهم ما غير في وجع الصحة للبشرية جمعاء كان عمليات إدخال الصرف الصحي وتنقية المياه والتطعيم ،ولم تكن أبداً العمليات المعجزة التي لها أهميتها الكبرى بلا أي إنكار في الحالات الفردية. ولكن دورها وتمايزها في مجال الصحة المجتمعية والصحة البشرية محدود للغاية.

ولنعود إلى قضيتنا الأساسية وهي الثقافة الصحية والغذائية للمجتمع والممارسة الوقائية للمجتمع وللبيئة وللأجهزة ولمراكز الإنتاج في هذه المجالات تكمن قضايانا الحقيقية والوقائية وليس في مجال فني يحق للأطباء تقرير أن إنساناً قلبه ينبض ودورته الدموية تسير أنه مات موتاً لا رجعة فيه.

Comments