News

أين الحقيقة

طارق علي حسن
Literature
17-September-2018

أين الحقيقة

عندما سافرت إلي الغرب وتواصلت مع كثيرين من زملائي  من الأطباء ذوي التوجهات السياسية والاجتماعية المختلفة وفيها التوجهات شديدة الإنفتاح وشديدة الإدانة للتاريخ الاستعماري القديم تعجُعبت كثراُ من سؤال كان يتكرر كثيراً في مناقشتنا وكان ملخص السؤال المتكرر هو لماذا أنتم كعرب ومسلمين وبالذات كمصريين لكم باع طويل في الحضارة الانسانية والتقدم لماذا تضطهدون إسرائيل الغلبانة المظلومة التي يتجاوز سكانها مليوناً وكسور من اليهود الغلابه الذين عانوا إضطهاد بشع وظلم بشع في أوروبا.

 

وعلمتني المفاجأة تكرار هذا السؤال والتسائل من أُناس مثقفين وعلي قدر عالي من التعاطف الانساني العام أن وجه الحقيقة في أي قضية قد يتغير جذريا علي حسب المقطع الذي تأخذه لنشاهد فيه الصورة ويتكون منه عناصر حكمك علي الأمور وبالطبيعي فأن المقطع الذي يُقدم للأوروبيين حتى المتعاطفيين منهم مع العناصر الإنسانية كان مقطعاً مدروساً وبعناية ليؤدي لهذه النتيجة البعيد كل البعد عن الحقيقة وكانت مهمتي التى آدت إلي كثير من الأحيان إلي تغيير جذري في مواقف زملائي من الإنجليز والفرنسيين أن أغير المقاطع التي تؤخذ فيها الرؤية إلي مقطع أخر فيه مذابح مثل مذبحة دير ياسين وفيه طرد مئات الألوف من شعب أعزل من بيوته وقراه وفيه أعمال إرهابية مروعة تقوم بها عصابات الهاجانا وأشتيرن والأرجون وغيرها من الارهابيين الذين مهدوا لطرد الفلسطينين العُزل بوحشية منقطعة النظير وقاموا باغتيال منودب الأمم المتحدة وكل أو أي شخص أو هيئة جرؤت أن تنقل للرأي العام العالمي حقيق ما يحدث بفلسطين وحقيقة ما يحدث من عدم إلتزام بقرارات الأمم المتحدة .

 

أكتب هذا وأحداث نوفمبر الأليمة بميدان التحرير تجول بخاطري حيث في مقطع ما يبدو أن المتظاهرين العدوانيين يمارسون العدوان علي جنود الامن المركزي الذين يدافعون عن أنفسهم من عدوان يبدو غير مبرر حسب طبيعة أو توقيت المقطع فإذا قدمنا المقطع زمنياً إلي منظر جنود الأمن المركزي يوم السبت المشئوم وهم يهاجمون مجموعة صغيرة من المصابيين وأسرهم كانت بعيدة عن صينية الميدان ونهر الطريق وأظهر المقطع إذا أخذت في الوقت والمكان المناسب أنها تعرضت لهجوم وحشي غير مبرر وأن المعاقيين والمصابيين جري ضربهم وجرهم أو بمعني أصح سحلهم لتغير المنظور تماماً ولتغير الحكم .

 

وهنا أيضاً يجول بخاطري مقاطع غير أمينة كان الهدف منها إيهام الجمهور والشعب والعالم أن الجماهير خرجت في " مليونية" ميدان العباسية لتدعيم المجلس العسكري ولإدانة الشباب الأخرق المثير للشغب في ميدان التحرير وكان المقطع يُقدم  بذكاء مشوة للحقيقة وصورة توحي بأن الموجودين في ميدان العباسية بأنه جمع غفير من الجماهير المتحمسة للمجلس العسكري لمراعاة ألا تكشف الكاميرا أخر التجمع فهيأ للناظر أتوماتيكياً أن الإمتداد الكبير خلف محاور الكاميرا هوه استمرار للجماهير الغفيرة وكان الكادر يتنقل إلي جماهير ميدان التحرير فيتعمد التركيز علي نهاية التجمع الجماهيري حيث تبدو الكثافة ضئيلة التعضيد ضعيفاً  ولم يكشف خطورة هذا المقطع في تزوير الحقيقة إلا لقطات زكية من بعض القنوات الخاصة الباحثة عن الحقيقة حيث قدمت صور من برنامج جوجل الجغرافي مبينة فيها بالألوان بناءً علي صور القمر الصناعي إمتداد الجماهير الغفيرة في ميدان التحرير والتجمع الصغير في العباسية.

 

كل هذه دروس تنبهنا أن في كل قضية أوجه مُتعددة للحقيقة وتتكون الحقيقة من جماع علمي دقيق للمقاطع المختلفة تظهر تشوه التفاعل وتطورة ولا تزور الحقيقة بأخذ مقطع واحد في لحظة قد يبدو الجاني مُعتدي عليه ويبدو الضحية جانى ومُعتدي .

 

إذاً الحرص كل الحرص من فضلكم أن يكون تقيمنا للحقيقة ليس إندفاعاً عاطفياً بناءً علي مقطع واحد يُقدم طرف له أجندة سرية نعرفها أو لا نعرفها ولكن يُجدر إلتزام العلمية بطلب مقاطع ومناظير عدة تختلف توقيتاً ومكاناً ومنظوراً في في كل قضية وهو الطيق الطبيعي لكل قاضي منصف .

 

وكلنا قضاة نصدر الأحكام بكل أسف بسرعه ودون تروي أو بحث في قضية المناظير والمقاطع ولنذكر كمثال صارخ نعاني منه كل يوم أن إسرائيل نجحت في تصوير نفسها لأهم القوي العالمية كضحية برئية مسكينة محاصرة بالأعداء والأرهاب وقُدمت للعالم المقاطع والمناظير التي تثبت هذه " الحقيقة" المشوهه والمعكوسه .

 

بل وجعلت العالم يعيش في ذعر وقلق واستعداد لتدمير المنطقة وإشعالها من أجل منع إيران من تطوير التكنولوجيا النووية لإفتراض أنه من الممكن أن تُستعمل إيران هذا التطوير في وقت ما لصنع سلاح ذري .

 

ونسي العالم أو أُنسيه أو تشوه إدراكه بحيث تغاضي ويتغاضي عن أن إسرائيل مدججة بالأسلحة النووية من كل الانواع وأخطرها كما أنها طورت لدرجة كبيرة جدا التكنولوجيا والقدرات التى تمكنها من إستعمال الدمار الشامل بكل انواعها في أي مكان في العالم المحيط بها بل في العالم مطلقاً من خلال تكنولوجيا صورايخ بعيدة المدي وطائرات بدون طيار والطيارات المخفية عن الرادار وغيرها من أقصي أسلحة الحرب التى طورتها وتطورها وتستوردها من الولايات المتحدة الأمريكية والعالم والرأي العام العالمي شبه مخدر ضحيتةً للمقاطع المُزورة والمشوهه التى تُقدم له في إعلامه.

 

 

Comments