News

المفتاح

طارق علي حسن
Discussions
25-September-2018

يعلم كل عاقل أهمية المفتاح للحصول أو الوصول إلى كنه أي شيء، ولفك ما انغلق من محتوى ومن إمكانات، سواء كنا نتكلم عن سيارة أو خزينة من خزائن الكتب أو المال والجواهر، وإذا انطبق هذا المفهوم على أشياء دنيوية عادية نستعملها ونمارسها يومياً فنتصور أهمية المفتاح بالنسبة للغة وللكلام ولمعنى الكلام.

نظر المحدثون إلى كثير من آثار القدماء، ومن رواد الحضارات القديمة في استعمال وتطوير وكتابة اللغة، وظلت اللغات القديمة لفترات طويلة طلاسم ورموز لا نفهمها ولا ندرك لها أي معنى، حتى جاء لنا العلماء والباحثون وقدموا لنا المفتاح.

لا نتصور الفرق الهائل بين ما يبدو أنه نقل عشوائي على حجر بلا هدف ولا معنى، ولا اتجاه، ولا محتوى فكري أو أخلاقي، فإذا قدم لنا أحد العارفين المفتاح تحولت هذه العلامات العشوائية إلى حروف، ثم إلى كلمات، ثم إلى جمل ومعاني وعلاقات وتركيبات تنقل ما تنقل من إبداع ومعرفة وبصيرة.

والخلاصة أن لغة الإنسان هي مزيج من الرموز والكلمات التي تكونها حروف وأصوات، يرمز لها برموز، وإذا فقد المفتاح ضاعت المعالم، وأصبحت اللغة العظيمة الكاملة المتكاملة سراً مغلقاً، وأصبحت أعظم إنجازاتها وأكثر إنتاجها عبقرية مجرد طلاسم مغلقة بلا قيمة أو معنى لمن لا يملك المفتاح.

وهناك بعد أخر لا يفطن إليه الكثيرون، وهو أنه كلما بعدت الشقة الزمنية بين الكاتب أو المتكلم، كلما ضاعت أو انغلقت بعض المفاتيح، فنسمع في عصر ما لغة قد نعرف مفاتيحها الظاهرية، ولكن بُعد المسافة الزمنية يعزلنا بالتدريج عن معانيها الحقيقية، وعن المعنى وراء المعنى، وعن المعنى والمعاني الجديدة المختلفة من تتابع وتصاعد المعاني، وكذلك المعاني التي لم تعد تنتمي إلى العصر الذي تعيش فيه أو تمارس فيه.

وهذا الحديث يتخذ أهمية خاصة لنا في أمة الإسلام، حيث أن التنزيل الذي نعتمد عليه ونؤمن به ونعيش به وعليه، هو تنزيل كلامي ينطبق عليه كل الظواهر والمشاكل والقضايا بالغة الحساسية، المرتبطة بلغة تتعدد، وفيها بطبيعة اللغة المعاني، بدءاً من معنى الحرف، إلى معنى الكلمة الحرفية، إلى معنى الكلمة عبر الحرفية، إلى معنى الكلمة كجزء من جملة، وإلى معنى الجملة إلى المعنى وراء المعنى، ثم إلى المعنى المكون من تتابع المعنى والمعنى ... وهكذا.

ونرى أن من أهم قضايا الفقهاء ورجال الدين الذين يخدمون الدين الحنيف لوجه الله، هي الحرص المستمر على أن يسييروا للعالم وللأمة مفاتيح الكتاب والتنزيل الإلهي في الكتاب، وبدون هذا الجهد الفقهي الدائب قد يأتي وقد يتلف فيه الكتاب تماماً على أهل الإسلام مهما بلغ إخلاصهم.

وقد ينتهي ببعضهم الحال إلى الترديد الألي لآيات عظمى وراءها معاني عظمى، انغلقت تماماً على المردد وعلى القارئ، وربما على السامع، وكيف نلوم شخص يدخل غرفة مظلمة ممتلئة بالمصابيح الجميلة، ولكن لا يجد من يرشده إلى مفاتيح إضاءة هذه المصابيح، فيظل في الغرفة الرائعة المرصعة بكافة أنواع المصابيح المعجزة والمبهرة، وهو في ظلام دامس.

وقد يزيد من مخاطر هذه الظاهرة أن لكلمات القرآن الكريم وحدها معجزة الجرس الموسيقي الجميل، والحلاوة والطلاوة في مجرد ترديدها، بدون حتى مجرد السؤال عن معناها، كما أن للوحي الكريم إيقاعاً بديعاً يكون نبضاً جمالياً في حد ذاته دون حاجة لفهم المعنى العميق وراء الإيقاع والجرس والموسيقى، وهذا الإعجاز في حد ذاته يمثل في رأي في نفس الوقت روعة وإعجاز لا حدود، وخطر حقيقي على الأمة الإسلامية، حيث أن جمال التنزيل في حد ذاته قد يغيرها كما رأينا كثيراً للتركيز على حرفيات الكلمات وتتابعها دون التعمق في معانيها، وفي المعنى وراء المعنى، وفي المستويات اللانهائية التي تأخذنا إليها الآيات القرآنية من الشخصي والخاص إلى الاجتماعي والعام، إلى القومي والأممي، إلى ما فوق القومي والأممي، إلى البشري والإنساني، ثم إلى العالمي والكوني.

وكل هذا قد ينغلق علينا إذا تحولنا إلى مجرد مرددين للتنزيل ككلمات بطريقة حرفية، ضاعت بغياب المفاتيح التي كانت ولا تزال مهمة الفقهاء، والتي لا بد لنا أن نعترف أنهم بكل أسف وأسى قصروا في مواجهة التحدي على مدى عشرة قرون أو تزيد، كان المسلون فيها قادة ونوراً ونبراساً للبشرية جمعاء في العلوم والآداب والفنون والفكر الاجتماعي والرياضة، والبصريات والجبر والهندسة، والجغرافيا، والاختراع، والإبداع، وصناعة الأجهزة والأدوات، والمعمار، والطب والجراحة والفلك والموسيقى.

Comments