News

سفير غير عادي

طارق علي حسن
Political and Social
7-October-2018

سفير غير عادي

 

كان من حسن الطالع أن تقدم سنغافورة لمصر سفيرها هاي دينج شيانج الذي كان بكل المقاييس والمعايير شخصية فذة في الثقافة والسياسة والفكر وفي حب مصر. وهي على فكرة ظاهرة سحرية لاحظتها في الغالبية العظمى في السفراء الذين يقعون بعد سنوات من الحياة في مصر في حب مصر، ومعظمهم تكون عيونهم مملوءة بالدموع عند نقلهم إلى بلد آخر.

وكنا مع مجموعة من النشطاء في المجالات المختلفة -حكومية أو غير حكومية -نكون نواة لما يسمى Think Thank نستعرض بعض المشاكل، وكان سفير سنغافورة بصفة مستمرة يدلي بدلوه فيها بإخلاصه وحبه لمصر بلا حدود من جهة وبعلمه وسعة أفقه في الاقتصاد وفي الإدارة وفي التخطيط للمستقبليات من جهة أخرى.

وفي المستقبليات أشعر بقدر من الحزن الكبيرعندما أدرك أنه ليست لدينا آليات للاستنارة الجيدة سواء من الداخل أو الخارج أو من مواطنين أو من أجانب.

وكان من إضافات السفير السنغافوري الهامة أنه كان يحذرنا من أنه ستوجب على الحكومة المصرية في السنوات القادمة توفير كذا مليون فرصة عمل وكان يدعم ذلك بإحصائيات حقيقية لم نأخذها في الاعتبار.

كما كان من فوائد التفاعل معه تنبيهه لنا عن ثروة قومية كبرى نسيناها ونهدرها بصفة مستمرة آلا وهي أراضي شمال الصحراء الغربية المزروعة بملايين الألغام البريطانية والألمانية، وهي أرض شاسعة تصلح لأن تكون مصدراً هائلاً للقمح المحلي يستجيب مع الحاجة الداخلية بل ويعطي فرصة للتصدير.

بل وبلغ من اهتمامه بالهم المصري أنه أرسل لي بعد تركه العمل بمصر عن اختراعات جديدة في إزالة الألغام مع الحد الأدنى من المخاطر، وقد أرفقت خطابه مع الطريقة العبقرية آنذاك إلى كبار المسئولين بمصر، ولم أتلقى أي رد !

وقد نبهني السفير الحصيف أن مصر ممكن أن تلجأ إلى المحاكم الدولية والتحكيم الدولي لإلزام الدول التي زرعت الألغام بتحميل تكاليف إزالتها ولو جزئياً مع إلزامها بتقديم التكنولوجيا اللازمة لهذه العملية الخطرة والصعبة.

وكان مما تعلمته من هذا السفير النابغ أنه صحح لي بعض المفاهيم عن النهضة في سنغافورة وفي كوريا الجنوبية، حيث كنت أسأله دائماً كيف تمت هذه النهضة الفريدة في ظل نظم أتوقراطية آنذاك.

فكلمنى باستفاضة عن شخصية لي كوان بو، وأفهمني أن الديكتاتورية التي تقف مضادة للتقدم هي الديكتاتورية التي تخلط بين أمن الدولة وأمن النظام، وتضع أمن النظام فوق كل اعتبار، وأن هذا الموقف يؤدي بالضرورة إلى تراجعا للعلوم والفنون والآداب ،وتراجع التنمية البشرية.

ومع الفشل الاقتصادي والتعليمي والإنتاجي المتصاعد يضطر النظام الديكتاتوري الذي لا يؤمن بقيمة العلم والتطور للبشرية أن يتحالف مع رجال الأعمال ورجال صناعة يقدمون دفعات متصاعدة قصيرة الأمد للاقتصاد إلى حين ولكنها بالضرورة دفعة غير مثمرة تفتقد للاقتصاد والتطور فتثبت أن الرأسمالية المصطنعة والمصنعة والتابعة أنها غير قادرة على التجذير والبناء والتطور.

وعند استفحال الفشل تتطور العملية والنظام المصري على رفض مصطنعات التنمية البشرية الحقيقية مما يضطره إلى الدخول في منزلق بيع البلد للرأسماليين والانتهازيين والمزيفين. ثم مع الفشل المتصاعد ببيع البلد للأجانب يتحول النظام إلى نوع من السعار على تجميع المال وسند الاقتصاد المتردي بأي طريقة ولو حتى كما قلنا ببيع البلد للأجانب.

ورغم أن الرأسماليين المصنعين والمصطنعين يسندون النظام إلى حين إلا أنه يأتي معهم في ركابهم فشل إنتاجي متصاعد وفشل في التنمية وفشل في حسن استثمار رأس المال سواء كان من الداخل أو من الخارج.

والنشاط الرأسمالي بلا رؤية ثقافية أو اجتماعية أو إنسانية، همه الحقيقي سرعة المكسب وتحويل ناتج الكسب إلى الخارج وليس إعادة تطويره للتنمية والتطور.

والعجيب أن الغرب -وهو الذي يشجع هذه التتابعات بقصر نظر -لا يتصور أن ناتج هذه الديناميات هو مزيد من السقوط والاضمحلال للطبقة المتوسطة الشريفة والمخلصة والعاملة في أي مجال، سواء كان ذلك في مجال العلم أو الإنتاج أو الرأسمالية المتوسطة.

ومع هذا الاضمحلال للوسط يتحول المجتمع إلى خطين على طرفي نقيض. مجموعة تدور في فلك السلطة الغير مؤمنة بالتنمية البشرية، وهي تدخل في ثروات تكاد تكون بلا حدود، وتستحوذ على دخول لا تتناسب إطلاقاً مع عطاءها الاجتماعي في أي مجال.

ومجموعة رأسمالية فاحشة الثراء قليلة العطاء ولكن همها الأول الاستمرار في الاحتفاظ برضا دوائر السلطة، وهي المصدر الذي تستمد منه حياتها وبقاءها وقدرتها على تدعيم نشاطها المريب في كثير من الأحيان بقروض هائلة من البنوك تحصل عليها بكل سهولة ما دامت محل الرضا.

ويقابل هذه الطبقة على النقيض غالبية أفراد الشعب الذين يعيشون يوماً بيوم وهم ،المسئول عن الأسرة فيهم من يوم إلى يوم هو الحصول على ما يكفي لمجرد الحياة ثم على ما يكفي لتدعيم الأولاد في تعليم لم يعد بالمجان، أو في علاج لم يعد أيضاً بالمجان، أو في مواصلات تكاد تكون شلت عن الحركة، أو الحصول على شقة في ظروف إسكان بالغة المشقة وبالغة الصعوبة.

في ظل هذا الاستقطاب والفوارق الضخمة ليس غريباً أن تنهار القيم ويفقد أجيال من الشباب إيمانهم بجدول الالتزام والبناء والعرق.

فها هو شاب حصل بتفوق على بكالوريوس من إحدى الجامعات لا يجد عملاً، وإذا وجد عملاً قد لا يستطيع أن يقتات به أو يكون عائلة، وإذا كون عائلة لا يستطيع أن ينفق عليها ولا ينميها بطريقة مرضية ،ثم يرى نظرائه وقد كونوا الملايين بل البلايين في شهوراً قليلة بل وربما في أسابيع، من صفقات وعمليات لا تضيف للمجتمع أو الوطن شيئاً.

فهل نعجب إذا وجدنا الكثيرين من هذا الجيل يسخرون من قيم الالتزام والعرق والمثابرة والصبر ... إلى آخر هذه القيم الجميلة ؟!

وهل نعجب إذا أصبح المواطن في هذه الظروف طرفياً في وطنه مهمشاً، يحس بالعجز والتهميش السياسي وتهميش الفقر وقلة الحيلة، وغياب رأس المال الذي ينطلق به في أي مشروع بناء مع زملائه وأقرانه؟!

هل نعجب أن الشاب الذي أصبح مهمشاً وطرفياً في مجتمعه أصبح متطرفاً؟!

أكاد أقول أن غالبية المتطرفين كانو طرفيين قبل أن يكونوا متطرفين. ولكنا نوبة ثبات طويلة أصابت المجتمع سمحت لهذا التطاولات أن تتطاول.

نعود لسفير سنغافورة النابغ، فقد أكد أن الاتوقراطيين في سنغافورة أو كوريا الجنوبية قدمت أولوية مطلقة للعلوم والتعليم والفنون والآداب. وكل ما يؤدي إلى التنمية البشرية.

أي أنها ديكتاتوريات استثمرت بإخلاص كامل عوامل التنمية البشرية ثم إدارة الموارد البشرية التي نبعت من هذا الالتزام المستميت بالتنمية.

وفي كل المنظومات التي نجحت نجد قيمة عليا للتعليم والعلم لا شك فيها ولا جدال. كما نجد آليات محيطة بالرئيس أو التكوين الرئاسي تمنع الانحراف على هذا القرار المصيري، وهو التعليم والتنوير إلى آخر مدى. ويشمل ذلك تقديم كافة أنواع التدعيم الاقتصادي بما يكفي ويزيد للعلم والتعلم وللبحث العلمي، وتقديم مقتضيات الحرية الكاملة الأكاديمية لأقطاب العملية التعليمية البحثية الذين رآهم لي كوان يو، هم حاملي شعلة التطوير والتقدم والنهضة.

 

 

 

 

Comments