News

عناصر التذييل

طارق علي حسن
Discussions
9-November-2018

عناصر التذييل

 

بعد هذا المشوار الطويل الهائل والإنجازات الكبيرة التي اضطلع بعبء الريادة فيها وعبء المبادرة وعبء تحمل العدوان الذي ينبع فى مجتمعنا من أي طرف يخرج عن المألوف أو المعتاد وهو مشوار ترصعه نقاط مضيئة وكثيرة بعضها معلوم ومعروف ومشهور ،والكثيرين في هذا المشوار أبطال مجهولون لم تسلط عليهم الأضواء ،ولم يكن هذا ليهمهم ،فالهدف الأسمى و صالح الوطن و المواطن ذكوره و إناثه كان المعبر لأي قدر من المعاناة و الكفاح و التضحية و كلها قدمت عن طيب خاطر و نكران تاريخي للذات و حب لانهائي للإنسانية و الحرية.

 

ومن هؤلاء الأبطال المجهولين أو المجهلين عمداً زينب كامل حسن وهي حسب التوثيق التاريخي السليم وقواعد العلم الصارمة ،أول عضو في هيئة التدريس نسائي في مجال العلوم (الكيمياء) في الجامعة المصرية كلية العلوم وقد تم تجهيلها وتجاهلها عن عمد للأسباب التي ذكرها العظيم أحمد لطفي السيد ،والمشار إليها في الفصل السابق من أن إدارة الجامعة كانت على قدر من الخوف من الاتجاهات الماضاوية المتربصة لأي خطوة للأمام للمرأة فقررت التعامل مع علاقة المرأة بالجامعة تعاملاً متحفظاً محاطاً بالكتمان والسرية.

 

من ذلك أن زينب كامل حسن عندما أصرت على أن تحمل من المؤهلات مما يتيح لها التدريس فى كلية العلوم قسم الكيمياء عينوها معيدة وقامت فعلاً بكل جرأة الفتاة الواثقة من نفسها ومن قضيتها من تدريس الكيمياء لطلبة كليات العلوم والطب البشري وطب الأسنان والطب البيطري وكانت - كما ِأشرنا - محاضرتها محل احترام وتقدير من كل من تتلمذ على يديها ،ولا ننسى في هذا العهد صور طلاب الابتدائية وهم رجال ضخام بشوارب يقف عليها الصقر كما يقولون هؤلاء وأمثالهم ،جلسوا في محاضرات زينب كامل سنة 1930 في صمت وأدب وتركيز وربما استنكار في البدء ،تحول بسرعة إلى إعجاب واحترام من الغالبية العظمى من الطلاب.

 

و بلغ من سرية وكتمان وخوف الإدارة من ردود الفعل الرجعية أن سميت زينب كامل ليس عضو هيئة تدريس ،ولكن مشرفة اجتماعية بالجامعة فألصق بهذه الفتاة الرائدة المبادرة ظلماً آخر على الظلم ،والعراقيل التي كانت توضع في طريق الفتاة التي كانت تخرج عن المألوف.

 

وهكذا عندما نبحث في التاريخ المعتاد لاقتحام الفتاة المصرية حاجز التعليم والتدريس في الجامعة ،نجد معظم المراجع تسقط اسم زينب كامل بسبب السرية والكتمان التي صاحبت ممارستها للعمل وللتدريس ،ويسلط الضوء فقط على الخمس فتيات خريجات الدفعة الأولى من طالبات الجامعة وهن نعيمة الأيوبي وفاطمة سالم وزهيرة عبد العزيز وسهير القلماوي وفاطمة فهمي في الحقوق والآداب ،رغم أن العالم كله كان يتحدث عن ماري كوري التي فتحت في الكيمياء و الفيزياء فتوحات تجعل البشرية كلها مدينة لها بالفضل طالما بقيت البشرية وكان من الدوافع الداخلية لزينب كامل حسن أن تسير حذو ماري كوري لكن ما علينا إلا أن نذكر تاريخ أحمد زويل وكيف إنه لو التزم بأن يظل سجيناً للبيروقراطية المصرية الفعلية والمنظور الضد علمي لربما كان يكافح لاعتماد ميزانية شراء معوجة أو مخبار أو أنبوبة اختبار.

 

 

بعد التضحيات الهائلة والإنجازات الضخمة والأبطال المعروفين والمجهولين في طريق تحرير المرأة ومشاركتها والخروج من نمط  "هذا ما وجدنا عليه آباءنا "تصاب بلادنا الحبيبة بما يشبه مرض فيروسي بطيء وخبيث مثل الإيدز ألا وهو عودة منظور  "هذا ما وجدنا عليه آباءنا "ومنظور سلفي رجعي متخف بالضبط مثل فيروس الإيدز في صورة محرك للنهضة الإسلامية الكبرى التي ستحقق المعجزات والتي هي الطريق الوحيد للنهضة وإذا بالمرآة المصرية من منتصف القرن العشرين تقريباً وبعده نفقد بالتدريج شيئاً فشياً كثيراً من إنجازات الرواد والرائدات

 

و نشئت الحركات الماضاوية السلفية التي تنظر الي الخلف من أجل النهضة فى الماضي و ليس الي الحاضر أو المستقبل بل يفاخر فقهائها و قياداتها الفكرية اننا نرى إنها العجب و كل ألعجب يفاخرون بمقولة انا متبع و ليس بمبتدع ! و كانت رسالة معظم هؤلاء السيدات الرائدات و منهم زينب كامل فى نهاية العمر الحافل بالعطاء تردد و بتكرار معنى واحد خلاصته ،لقد أحرزنا لكم إنجازات وتحركات مؤكدة وفعالة في طريق تحرير المرأة وميلاد المجتمع العضوي الراقي المنفتح التي تلقى فيه المرأة دوراً كاملاً في كل المجالات وفي كل الحقوق جنباً إلى جنب وهذه سنة الحياة ،مراد الدين ،والمنكرون لذلك لا يفهمون ولا يقدرون العائد الهائل على الأمة الذي تم ويتم في خطوات تحرير المرأة ،وللأعمال والمبادرات الشجاعة الريادية التي قام بها الرواد المعروفون و المجهولون وعلى الأقل علينا أن نشكرهم ونقدرهم و ألا نفرط فعلياً فيما تم من إنجازات وتقدم.

 

من العجب حقاً ان نرى عندنا في القرن الواحد والعشرين وبعد ثورات غير مسبوقة تحلم بالحرية والعدالة الاجتماعية والكرامة الانسانية من العجب ،أيضاً بعد أحداث ثورة يناير 2011 الفريدة والبديعة والمبدعة ،وهي فترة دالة وبالغة الأهمية .كل الحواجز المعروفة والمصطنعة سياسياً ودينياً ومادياً وعمرياً لنجد في الميدان في حالة بديعة من مشاطرة نفس الحلم الكبير والصغير ،الغني والفقير ،صاحب الدكتوراه والأمي ،بائع البطاطا وأستاذ الجامعة ،المسلم والمسيحي ،وضحايا الإسلام السياسي مع شباب اليسار والاتجاهات الليبرالية الوسطية والمفرطة لفترات معجزة وساحرة ،انصهر الجميع في حقيقة أن كلهم ينتمون إلى الإنسانية ،ويشاطرون نفس الأحلام ويحتاجون أن يدعموا بعضهم البعض على كل المصاعد ،من أجل السير نحو حلم النهضة والتغيير إلى الأفضل ،واحترام كرامة الإنسان أيا كان وفي أي وكل مركز من المراكز الاجتماعية دون تفرقة بين الجنس أو اللون أو العقيدة وللحظات سحرية استطاع هذا الخليط الذي يبدو لأول وهلة غير متجانس ومتضاد أن ينصهر معاً في قصيدة حب البعض للبعض الآخر ،وفي قصيدة احترام إنسانية الجميع والحرص على عدم المساس بالآخر بل تفضيل الآخر على النفس كما تذكرنا بعض الأغاني الحزينة والدالة على هذا السحر العجيب الذي عاشه المصريون في لحظات منذ يناير وما تلاها من دراما ومن مسيرة كان المواطن يفتدي زميله فى الميدان ولا يعرف من هو ولا لأي فصيل ينتمي ،وهل هو شيوعي أو ملحد أو من أحد ضحايا الإسلام السياسي أو غني أو فقير ،ولم يكن يفكر أحد إن هذا مسلم أو مسيحي أو بهائي أو لا ديني أو يهودي.

 

حالة من حالات الكينونة الراقية كان يجدر أن يمسك الجميع بها ،شباب وشيوخ قيادات واتباع أحزاب وتنظيمات كان يجدر أن تمسك كل هذه القوى بما حملته هذه اللحظات من معاني لتحولها إلى برامج من الممكن أن نسميها برامج نحو المستقبل ،وإذا بنا نجد خارطة الطريق تتحول إلى تآمر من فصيل معين انسلخ عن هذا التلاحم ،ومستعد لبيع الصديق والرفيق والزميل من أجل سعار متصاعد على السلطة ،وهي تنتهي وينتهي الجزء الأول من الحلم البديع إلى كابوس ينتهي بالتنظيم والتآمر المعاكس للثورة المصرية ،بصعود الإخوان المسلمين إلى سدة الحكم ،وسرعان ما حولوه إلى إعلان نوفمبر 2011 ،وبفاشية لا تتميز عما سبق بل أسوء منها بمراحل حيث هي فاشية دينية تؤمن أنها تمثل إرادة الله على الأرض وأن من يخالفها هو عدو الله.

 

نصل إلى القمة الحزينة أن نأخذها إلى الخلف حتى العشرينيات والثلاثينيات وما قبلها حيث كان كفاح قاسم أمين وهدى شعراوي وصفية زغلول  وأمثالهن من البطلات والأبطال يليهن زينب كامل ومن وقف معها ،يكافحن من أجل حلم جميل لنجد في مايو 2013 وزير الثقافة الذي عينه رئيس الإخوان ،يمثل نشازاً هائلاً للمسيرة التي ذكرناها في هذا الكتيب ،يفصل رئيسة الأوبرا لأنها سيدة وتعلو النداءات أن تعلو هنا وهناك بعودة المرأة إلى البيت وعدم جواز توليها مراكز قيادية ،وبالتلاعب بالدستور بطريقة تؤدي إلى حرمان المستشارة تهاني الجبالي من مكانها في المحكمة الدستورية العليا.

 

والمنتظر مع قوة الحلم وحيوية المجتمع الذي يحلم وحيوية أفراده الذي حلمه الجميع من يناير وما بعدها من معجزة تلاحم إنشاني بشري يقدم لنا مفتاح للعمل في تناغم من أجل النهضة إلى الأمام غير مسبوقة نجد المجتمع يشد شداً إلى نكسة تعيدنا إلى القرن التاسع عشر وما كان عليه آباءنا و وأجدادنا قوى ماضاوية تعمل على شرخ المجتمع ،وجره إلى ماض تخطاه بالعرق والعلم والدم والدموع قوى جعلت من نفسها عدو للبشرية وعدو للإنسانية.

 

وفي يقيني أن الشعب المصري الذي عاش تجربة الثورة في 30 يونيو و3 يوليو 2013 لن ينس بسهولة هذا الجمال الساحر في هذا التلاحم حين يصبح التلاحم والمجتمع للحظات بحق لن ينس المجتمع المصري هذه الأيام وسيعض عليها بالنواجز إلى أن يصل إلى مجتمع متصالحاً به مكان وحب وتناغم ورعاية مع كل من يحترم قوانينه ومقدساته الكبرى التي أعني بها ،ليست أصنام الحرفيات التي اختزلوا الدين فيها ولكن أعلى المبادئ الدينية التي تسعى كلها في مقاصدها الكبرى في تكريم الإنسان وعقل الإنسان ذكراً و أنثى معاً.

Comments