News

لا خير فينا إن لم نقلها ... ولا خير فيكم إن لم تسمعوها

طارق علي حسن
Ghandi
23-November-2018

لا خير فينا إن لم نقلها ... ولا خير فيكم إن لم تسمعوها

 

يتحرك جيلي بسرعة نحو الانسحاب من الحياة الاجتماعية والسياسية والمادية، وبالتالي قد أصبحنا بيولوجياً في المساحة العمرية التي ينتمي إليها الحكماء الذين تخطوا بالطبيعة البيولوجية المطامع المادية والسلطوية، وبالإضافة إلى ما تقدم فإننا بحق الجيل المخضرم الذي عاش ثورة 1952، وثورة 2011، وبالتالي فأسمح لنفسي بكتابة هذا الخطاب المفتوح لأهل الرأي ولأصحاب الثورة العظيمة، ولصناع القرار في هذه المرحلة الحرجة من تاريخ مصر، وفيهم ومنهم بالتأكيد أعضاء المجلس الأعلى للقوات المسلحة.

واسمحوا لي أن يكون خطابي المفتوح في صورة إبحار في الذاكرة، وإبحار لا يحمل إحكاماً أو ضغطاً، ولكنه يقدم تتابعات من الذاكرة أتمنى أن تساعد وتنير أصحاب الشأن في الطريق والمسالك إلى القرارات الصائبة.

منذ بداية الخمسينات والاحتقان الثوري يزداد في مصر بدرجة متصاعدة، وقد تصاعدت الطاقة الثورية إلى أقصى درجة حينما ألغى مصطفى النحاس معاهدة 1936، وبدأت حركة الكفاح ضد الاستعمار البريطاني في منطقة القناة، وقد وحدت حركة الكفاح ضد الاستعمار البريطاني الشعب بطريقة فيها أصداء التوحد الفريد والمدهش الذي حدث للشعب في ميدان التحرير يناير 2011، وخطط هذا التوحد ومشاعر الحب الجديد المنبثقة بين الناس الشعور بعظم التفاوت الاجتماعي والظلم الاجتماعي السائد آنذاك، وقد تصاعد الرفض العام للنظام الحاكم آنذاك وللقوانين المكرسة للظلم الاجتماعي، والذي أصبح متمثلاً في الملك وحكومات الأقلية، وكلاهما يتواطأ مع الاستعمار (القوى الخارجية) في رفض ممثلين الشعب الشرعيين، وفي الحجر على حزب الأغلبية وإقصائه، في إيقاف البرلمان  المنتخب، وفي فرض حكومات أقلية لا تمثل الشعب ولا تحس به وبآماله وأحلامه، وتستمر في وأد حركة المقاومة الاستعمارية في منطقة القناة مع إعلاء الأحكام العرفية.

وفي هذا المناخ من الرفض والثورة قامت مجموعة الضباط الأحرار بحركة انقلاب ناجح داخل الجيش، وتمكنوا من القبض على قيادات الجيش والاستيلاء على مبنى الإذاعة لإذاعة بيانهم الأول.

والمثير للاهتمام أن البيان والأحاديث التي قام بها رجال الجيش والضباط الأحرار في الفترة الأولى كانت تحمل الكير من التردد والخوف والحيرة في تسمية ما حدث، حتى أن البعض سماه حركة تصحيح داخل الجيش، وكان الجميع يشير إلى الأحداث على أنها حركة الضباط الأحرار للتطهير والإصلاح، والمدهش أن الحالة الثورية الرافضة التي مال لها الشعب تمثل يونيو 1952 تبنت هؤلاء الضباط الشبان تبني تلقائي كامل وحماسي، مثل التبني التلقائي الذي قام به أولاد وبنات الشعب المصري لثورة يناير 2011.

ومن المؤكد أن هذا التبني الفريد والكامل شجع الضباط، وما كانوا يتشجعوا ولا يقدروا لولا تبناهم الشعب هذا التبني الكامل والتلقائي في أن يصاعدوا من سقف مطالبهم ويرغموا الملك على توقيع وثيقة التنازل والخروج من البلاد.

ومهمتي في رحلة الذاكرة هذه أن أتذكر وأذكر بصور ولافتات يؤكد فيها الضباط الأحرار أنهم موجودون بصفة مرحلية، وأن الجيش ملك الشعب وجيش الشعب وحامي الدستور وضامن العودة إلى الديمقراطية بلا أي مطامع في تغيير وظيفته إلى الحكم والسلطة ، وتمر الأيام والبلاد والشعب سكارى بالمجد الثوري البديع، وبوعود الجيش والضباط ومجلس قيادة الثورة بالدستور والديمقراطية والحرية، وخلال هذه التتابعات في ظل النشوة السعيدة نفاجأ بإعدام عمال  (خميس و البقري) صدقوا أن البلد في ثورة العدالة  الاجتماعية والديمقراطية فأضربوا واحتجوا ،فيتم قمعهم وشنقهم ،وتلت عملية قمع العمال والتي كانت أول حركة إفاقة للحركة الثورية المصرية الحقيقية، إلى أن هناك شيء ليس على ما يرام في الموضوع، مع استمرار الرفض لإعادة اجتماع البرلمان المنتخب،الذي أوقفته مؤامرات المستعمر بالتعاون مع الملك، ثم دخلت الأمور في منظومة الاستيلاء على السلطة كبديل للشرعية الشعبية بل كوصاية على الشعب "لجاهل" ،فتكون قرار حل الأحزاب ،وإلغاء الدستور والحكم بالأمر المباشر، وكل ذلك كان يتم مع التأكيد أنها خطوات في إرساء دعائم الديمقراطية والدستور و تنفيذ الوعود.

ثم انبثقت لجان الرقابة على الإعلام والصحف وهي "صارمة باترة" على رأي الصاغ صلاح سالم، وفي ظل المجلس العسكري الذي كان يملك المجال بالوعود الجميلة والبراقة والتأملات عن الحرية، كانت مقاليد السلطة بالتدريج تنتقل إلى المجلس العسكري ليس توكيلاً عن الشعب، ولكن كوصاية كاملة على الشعب الذي نزعت عنه مؤسساته وسلطاته شيئاً فشيئاً ،وأصبح الشعب ليجد مجلس الثورة ليس وكيلاً عن الثورة ولكن وصياً كاملاً على الثورة وحاكماً مطلقاً متحكماً في شئون البلاد و العباد، وبالتالي أصبح صاحب الثورة، والشعب مهمش بل ومهدد مغلوب على أمره.

ولما بدأت الثورة الشعبية والطاقة الثورية الخلصة للمبادئ تتحرك، وتتخذ مواقف مضادة لاستيلاء مجلس قيادة الثورة علي السلطة، كانت المواجهات الأليمة والمدمرة بين أجنحة الجيش البعض في المدفعية و الفرسان الملتزم بالمبادئ يطالب بالالتزام بوعود الحرية والديمقراطية والدستور فعلاً، وقد أسقطها أجنحة مضادة بشراسة جديدة تماما علي مصر بين المصريين و بعضهم، و كانت فئة أعمتها شهوة السلطة عن الرؤيا الستراتيجية و مقتضيات فروض الولاء لثورة الشعب من أجل الديمقراطية والدستور والحرية والعدالة الاجتماعية  تعاملت بكل العنف الوحشي مع زملائهم (الدمنهوري)، بل وصل الأمر إلي التهديد باستخدام الأسلحة مثل سلاح المدفعية والمدرعات والطيران وغيرها، وهذا العنف كان جديداً على الشعب المصري، ورغم ذلك تصاعدت المقاومة الشعبية للدفاع عن الثورة وعن الدستور وعن الديمقراطية، بما أدى في لحظة تحت الضغط الشعبي إلى أن مجلس الثورة العسكري يتخلى عن جميع سلطاته، وأثبت الزمن أن هذا التخلي في فبراير 1954 لم يكن تخلياً أميناً وصادقاً، بل كان الهدف منه خلق فراغ أمني  وسياسي يؤدي إلى خلخلة مطلوبة، يتدخل بعدها المجلس العسكري ليتملك مقاليد الحكم بضراوة وقسوة أشد مما مضى.

وهكذا نجد في مارس 1954 المجلس العسكري يتخلى عن جميع سلطاته ويسعى لخلق حالة من الفوضى، حتى أن الأيام كشفت عن رشاوي دفعت لنقيب حركة عمال النقل لإيقاف حركة النقل في العاصمة، كما كشفت الأيام عن علامات استفهام لا إجابة عليها حتى الآن في تفجيرات مختلفة في العاصمة خلقت حالة من الفزع والهلع والرهبة بين المواطنين، وترتيبات جهنمية وصلت لحد التفجيرات في أماكن متفرقة من العاصمة قامت بها السلطة، انتهت بإعلان المجلس العسكري عودته إلى السلطة وإعلان الأحكام العرفية، والحكم من جديد بالحديد والنار والمعتقلات والسجون، ودخلت الثورة المصرية العظيمة 1952، والتي بدأت بحركة ضباط تبناها الشعب وجعل منها ثورة شعبية،  انتهت هذه الثورة الشعبية إلى انفلات السلطة ومقاليد السلطة تماماً من يد الشعب وقوى الشعب إلى الوصاية العسكرية وديكتاتورية عسكرية بوليسية. قامت ببعض الإصلاحات الاجتماعية العلوية وتجاهلت كل المطالب الشعبية الأخرى بل قمعتها بكل وحشية أحياناً وأحياناً أخرى بتخطيط ممنهج وقوانين ماكيافيللية يصنعها ترزية القوانين. و كانت الحقبة التاريخية حقبة تصفية الاستعمار وانحسار سعار الدول الكبري بعد الحرب العالمية الثانية على ممارسة الاستعمار وتدعيم التميز والثراء بالاحتلال الأجنبي المباشر مفضلين خيار الانسحاب و تمكين حكومات عسكرية تقوم فيها الجيوش الوطنية مقام الجيوش الأجنبية في احتلال الشعوب وإرغام الشعوب على القبول بنظام وصاية "الرجل القوي" الذي يخدم بالضرورة مصالح الاستعمار  الجديد.

Comments