News

فيليب جلاس

طارق علي حسن
Mozart
9-November-2018

فيليب جلاس

قد لا يعلم الكثيرون في مصر أن الموسيقي الأمريكي المعاصر الأشهر "فيليب جلاس" قد ألف أوبرات لاقت تقديراً عالمياً على مواضيع تهمنا كلها ،وهناك أوبرا في هذه المجموعة عن غاندي، وأوبرا عن أينشتين، وأوبرا تخصنا بالتأكيد وهي عن اخناتون.

وهذه الأوبرا تعيد إحياء رحلة اخناتون الدرامية بدءاً من رؤيته الدينية والفلسلفية الجديدة والمغايرة لما هو كائن من تكاثر وتكالب القوى المضادة للتغيير وللتجديد حتى يتم القضاء عليه.

وتنبثق الدراما من خلال التجسيد لخيالات وتساؤلات سياح يزورون تل العمارنة، ويتجولون فيها مسترجعين التاريخ الماضي بآلامه وآماله وانتصاراته وانكساراته، وقد حضرت هذه الأوبرا الهامة لأول مرة في لندن في مسرح الكوليسيم من إخراج المخرج العبقري ديفيد فريمان ،وكان المسرح الهائل مملوءاً عن آخره بجمهور يمثل كل شرائح المجتمع وفئاته العريضة، وهي ظاهرة تسعدني حينما أراها في الأوبرا المصرية أو أي أوبرا أو في دراما الحياة الإنسانية.

الأسلوب الموسيقي لفيليب جلاس غريب للغاية، يتكون من مساحات موسيقية تتوالى صعوداً وهبوطاً على نمط عزف آلة الهارب، وتشكل تكوينات هارمونية بالغة الحساسية والتعبير ، ولها تأثير شبيه بتأثير التنويم المغناطيسي، الذي يؤدي في النهاية إلى أن ينساب المستمع إلى عالم فيليب جلاس الموسيقي التعبيري كمن شده تيار قوي في المحيط، فيسيح المستمع ما شاءت له السياحة في هذا العالم السحري الدرامي إلى النهاية المأساوية للأوبرا.

وتفتقت عبقرية المخرج البديع عن إعادة إنشاء مدينة تل العمارنة، وعالم اخناتون بالكامل من الرمال، وكأنه يؤكد على هشاشة وطبيعة بنيان السلطة الدنيوية والدينية في كل عصر وفي كل زمان وفي كل مكان، طالما كانت تفرض نفسها فرضاً علوياً رغم كل ما كان في رؤية اخناتون من سمو وتفوق على عصره بمراحل حتى وكأنه من أوائل المصلحين البشريين الذين أرسوا مبادئ الحقوق الأخلاقية التي تنبع من الرؤية التوحيدية لإله واحد يشع بنوره ودفئه ورحمته على البشر أجمعين، وكانت المجتمعات حتى هذه اللحظة تغرق بضراوة بين البشر على حسب موقعهم في سلم اجتماعي بالغ القسوة وبالغ الضراوة.

ويكون اخناتون بذلك ليس فقط من أوائل من أكد عقيدة التوحيد، ولكنه استنبط منها أيضاً منظومة أخلاقية إنسانية للقوانين وللمعاملات، ونجم عنها لأول مرة اختراق هائل نراه فيما يسمى بفنون العمارنة، والتي تجرأ فيها الفنان على تصوير الحركة والعواطف والحقيقة كما هي، بلا تجميل أو تذويق أو تأليه، حتى الفرعون نفسه تم تصويره رسماً ونحتاً بكل عيوبه ونقائصه، من رأس ذو تكوين غيرعادي، وجسم يفتقر إلى التناقص مع بطن منتفخة ومتورمة. وهو ما كان لا يتصور حدوثه من قبل ميلاد النسيج الأخلاقي الذي يلتزم بالحقيقة نبوعاً من عقيدة التوحيد، والإله الواحد الذي يتساوى أمامه كافة البشر، وتحت نوره كافة البشر.

العجيب أن هذه الدراما التي هزت العالم هزاً، والتي تغير في النهاية معها تاريخ البشرية ،والتي شاءت عبقرية المخرج ديفيد فريمان أن يجسدها على مسرح من الرمال المتحركة أضاف إليها رؤية غريبة. فعلى يمين المسرح وضع مجموعة من المتصارعين في حالة صراع مستمر من أول الأوبرا إلى آخرها تجسيداً لحالة الصراع البشري الذي لا ينتهي، ضعه كما تشاء : صراع بين الخير والشر ،صراع بين الظلام والنور ،صراع بين القوي والضعيف ،صراع بين الحرية والقهر ،صراع بين الماضي والمستقبل ،صراع بين الظلم والعدل ، .... أما في مقدمة المسرح قد وضع رمزاً أغرب وأغرب، وهو للشعب المصري الذي تحدث في عالمه كل هذا الكم من الدراما والصراع وكأنه خارج اللعبة بالمرة، وهو ما خطر لي بكل أسى أنه حال الشعب المصري منذ قرون كثيرة، وهذا ليس انتقاصاً من الشعب المصري، بل دليلاً على أن الأكثرية لم تسعى لفهم الشعب المصري وردود أفعاله، ولا ما يبدو عليه من سلبية نراها في ضوء آخر تماماً.

فهو شعب أحب أرضه ونيله، وهما ظاهرتان فريدتان في التاريخ، ونجح في عمل علاقة إبداعية إنتاجية مع أرضه ونيله في ظل ما يمكن أن نسميه بالحضارة الأوزوريسية الأولى، التي تميزت باللاعنف، بل التي علمت العالم كله اللاعنف، والتوافق والتناغم مع الطبيعة بكل عناصرها.

إذا كان المصري دائماً عاشقاً مشغولاً بعشقه الحقيقي ،وهو الأرض والنيل والإنتاج المبدع ،أما صراعات السلطة بكافة أشكالها فلم تكن تعنيه وهو العاشق المتيم بأرضه ونيله وقدرته الفريدة على الإبداع والإنتاج.

وأخطأ الكثيرون عبر التاريخ في اعتبار عزوف الفلاح الأوزوريسي عن الصراع وعن السلاح وعن العنف تنويعات من الجبن والتخاذل، وهي في رأينا تنويعات من التفوق الحضاري الكبير.

وتمثل هذا التفوق الحضاري الذي يراه الكثيرون سلبية كاملة في تصوير الشعب المصري رمزاً كرجل وامرأة يخلطون الطين والقش ليصنعوا الطوب من أجل البناء، فبينما تتوالى دراما اخناتون من الثورة الفكرية والدينية حتى الصراع والهزيمة والنهاية، يستمر الإنسان المصري في تحضير مواد البناء بما يبدو أنه سلبية كاملة ولا اكتراث.

وهنا ننتقل إلى الحاضر والماضي القريب، حيث نجد الشعب المصري وقد عزل عزلة شبه تامة من ديناميات صناعة القرار، ودراما الحركة والتعبير في مجتمعه. وفرضت عليه الوصاية المزمنة التي عزلته وتعزله عن دراما الحياة وقضاياها ،ويبدو فيما يبدو أنه مستسلم سلبي ،ولكني أود أن ألفت نظر القارئ إلى نظرية موازية ومخالفة، وهي جزء كبير مما يبدو أنه استسلام سلبي ينبع من الأبعاد الحضارية الكبرى للإنسان المصري بالعزوف عن العنف وسفك الدماء، وبالمضي في عشق فريد للحياة وللإنتاج ولمعجزة الزراعة، وطبعاً كل ذلك مما يستعصي فهمه تماماً على الحكومات التي تتربص بكل الحركات التعبيرية للإنسان المصري وتعاملها بكل عنف وضراوة، وهو مالا يستحقه الإنسان المصري بالمرة.

والإنسان المصري يحتاج إلى حكومات تتحاور معه برفق وباحترام كامل لآدميته، ولأبعاده الحضارية، حتى يخرج هذا الإنسان أفضل ما فيه من أجل صلاح مجتمعه ووطنه والقائمين على السلطة فيه ،وهم أول من يجب أن يطلبوا التوجيه والمشاركة من هذا الإنسان الحضاري الذي تعلم الزراعة قبل سائر البشرية ثم علمهم الإنتاج وإبداع الإنتاج والوفرة لباقي البشرية على مدى التاريخ.

إلى القوى التي تسعى وتستمر في السعي إلى تهميش الشعب المصري، أدعوهم لمشاهدة أوبرا اخناتون والاعتبار والاتعاظ منها.

في النهاية لن تكون هناك أي حماية لأي قوى تفشل في الاستعانة بالشعب الحضاري العظيم وفي كسبه في صفها وفي صراعات الحياة المستمرة، وفي تحديات الحياة المستمرة.

أخيراً دعوة إلى المسئولين عن الثقافة والأوبرا بدعوة المؤلف العظيم فيليب جلاس، والمخرج العبقري ديفيد فريمان، لتقديم أوبرات فيليب جلاس وعلى رأسها أوبرا اخناتون في مصر، ولو تمت الترتيبات اللازمة بوعي وذكاء، سيكون لأوبرا اخناتون في مصر وفي تل العمارنة الوقع العالمي والصدى العالمي الذي يفوق تقديم أوبرا عايدة في الهرم وفي المناطق الأثرية.


Comments