News

علاج الامراض ام خدمة الصحة و الحفاظ عليها

طارق علي حسن
Alternative Health and Medicine
25-September-2018

علاج الأمراض أم خدمة الصحة والحفاظ عليها

 

لا أعرف لماذا أغمض الوعي الصحي فى المجتمع المصري وكليات الطب ومراكز البحث العلمي أعينهم عندما أثار إيفان أليتش في كتابه القصاص الطبي ( Medical Nemesis ) وقد قدم فيه رؤية مزلزلة بالغة الخطر تعرضت لها مع الزميل العزيز و الرائد الدكتور محمد صادق صبور والدكتور محمد شعلان في كتاب "الطب مريضاً " الذي لاقى إهمالاً عاماً من كل الجهات التي كانت من المفترض أن تهتم به وأن تجعله محور مناقشة ومناظرة على الأقل ،وقد قدم له الدكتور حمدي السيد نقيب الأطباء آنذاك ،ومحور المنظور الذي قدمه إيفان أليتش وكان واعياً بنفس ديناميات الفيلسوف الفرنسي الهام ميشيل فوكو ،وهو أن المصالح المادية والتميز تحرك الديناميات المخفية لجهات السلطة في المجتمع سواء كانت سلطة سياسية أو دينية أو طبية.

 

ويفطن كم متصاعد من المفكرين أن شركات الأدوية أصبحت من المحركات إن لم تكن المحرك الرئيسي للمعلومات الطبية المتداولة والتي تدرس في كليات الطب والاختزال مهمة الطب تعليماً وممارسة إلى التشخيص ثم العلاج بالأدوية والجراحات ،وفي كل مرحلة من هذه المراحل تصرف الملايين والبلايين بلا حساب بل وبضغط هائل ومتصاعد من جمهور سقط مع مستغليه في فخ الانحدار إلى حلزون المرض ثم العلاج المكلف طويل الأمد.

 

ويكتشف المفكرون الحياديون أن شركات الأدوية والعقاقير أصبحت مؤسسات عابرة للقارات وعابرة للجنسيات تتفوق ميزانياتها على ميزانيات بعض الدول ،ويتعاظم نفوذها الاجتماعي والسياسي بالتدريج حتى أصبحت تتدخل بالتمويل وما يصاحبه من تمويل غير مباشر لكليات الطب وللعملية التعليمية للأطباء في مراحل التعليم والبحث العلمي وممارسة الطب بعد التخرج وبعد مرحلة الحصول على الشهادات العليا.

 

أذكر دولاً ومجتمعات ومرحلة تاريخية كان فيها من العيب جداً فى المؤتمرات العلمية الإشارة إلى أي عقار أو منتج باسمه التجاري والآن أصبح من المعتاد أو من الضروري أنه لا سبيل آخر للتمويل أن تكون كل المؤتمرات العلمية وللصحة ممولة بشركات العقاقير التجارية تستعمل اللقاء لتسويق منتجاتها من غير خجل أو مواراة باسمها الكامل ويتم هذا التسويق بالطبيعة مع تدعيم عدد من الأبحاث تنقل للمتلقين على ما يبدو أنه بحث علمي بريء ونقي من الأغراض ولكنه محمل بما نعلمه في مجالات البحث العلمي بما يسمى بتعارض المصالح.

 

و فى وقت ما كان محتما على الباحث ان يذكر فى مجال بحثه إنه حصل على منحة أو تمويل أو حتى هدية فلانية أو من المصدر الفلاني وبالتدريج بدئت هذه الظاهرة الضرورية علمياً تختفي في مجالات البحث العلمي.

 

أذكر المجتمع العاقل المهتم بالصحة والبيئة والمحترم للطبيعة بمرحلة كانت الدفعة التسويقية للسجائر والتدخين تقوم بعملية غسيل مخ كاملة للأجيال ،جيل بعد جيل حتى أثبت بعض الباحثين بصعوبة وتحت التهديد أنه يوجد علاقة بين التدخين والسرطان وسلسلة كاملة من الأمراض ،نفس المأساة تكررت مع تفضيل الألبان المجففة للأطفال كبديل عن الرضاعة الطبيعية ونفس السيناريو تكرر ويتكرر مع بعض العقاقير ونكتشف بعد فوات الأوان أنها مضرة ولا تقدم ميزة حقيقية للإنسان  ،وبالنسبة للتقييم الكيفي للحياة وعادة تقوم بالاكتشاف بعد فوات الأوان وليست مأساة الثاليدوميد بعيدة عن الأذهان في الأوساط الطبية ،أما عن الهرمونات فحدث ولا حرج ،فقد أخذتنا سيطرة المصالح الكبرى العابرة للقارات في طريق غسيل المخ نحو استعمال الهرمونات فى مجالات مشكوك في أمرها ،وطبيب الغدد المخلص يواجه بصفة مزمنة مشكلة علاج ضحايا تعاطي هرمونات في غير مجالها أو بلا ضابط ولا رابط بناء على معلومات غسيل مخ ،نكتشف في النهاية أن مصدرها المصالح التجارية الهائلة لبعض الشركات العابرة للقارات.

 

الحل في منتهى الصعوبة ،فقد سقطت المهن الطبية والعلمية في براثن مصالح شركات الأدوية الهائلة وأصبحت هي صاحبة المصلحة في توعية واتجاه المعلومات التي تتداول في المجال التعليمي لأطباء الحاضر والمستقبل وفي نفس الوقت أصبحت هي الممول الرئيسي في نشاطات العلماء ومجالاتهم.

 

الموضوع يبدو قاتماً ويدعو للتشائم إلا من الأحداث التي تمت فى مصر منذ 2011 حيث أعادت مصر بريادتها الطبيعية والتاريخية تقديم نموذج للعالم استمراراً لنموذج غاندي ونلسون مانديلا ومارتن لوثر كينج في أن الشعوب قادرة على فرض التغيير وعلى كسر أعتى الاحتكارات ومراكز السيطرة وكشفها ،وعلى قيام بدور إيجابي في تطورها وتحررها من أعتى أنواع الاستغلال ومن أبشع أنواع الاستغلال الذي يحدث هو استغلال صحة الإنسان بدفع الأمور إلى العقاقير والعمليات وهو مجال لا مشروعية له في مجال الطوارئ ،حيث يحق للطب الحديث أن يفخر بانجازاته العظيمة بالأدوية والجراحات ،إما في مجالات الطوارئ فالمدخل السليم والصحي في مجال الصحة الإنسانية هو الوقاية والسلوك والتعليم والتثقيف للحفاظ على الصحة والحفاظ على البيئة وفي مجالات تعاني فيها معظم المجتمعات الإنسانية ،وكلما زاد الفقر إزداد الثراء في مجال الأدوية المستهلكة والعمليات الجراحية.

 


Comments