News

مناخ سليم لنمو الطفل

طارق علي حسن
Discussions
23-November-2018

مناخ سليم لنمو الطفل

 

يروعني حقاً ما نرصده جميعاً من تلوث بيئي، وتلوث سمعي، وتلوث بصري، أصبح هو المناخ الطبيعي الذي ينمو فيه أطفالنا. وأي عالم اجتماع أو عالم صحة نفسية يدرك الضرر البليغ الذي ينجم من النمو في مناخ ملوث.

أما تلوث البيئة فقد أصبح ظاهرة من شدة ما استفحلت أصبحت بكل أسف هي المعتاد. فنحن نسير في شوارع العاصمة وفيها غبار وروائح عادم السيارات، ومخلفات المصانع الشرعية والغير شرعية، ورائحة القمامة، والمجاري الطافحة هنا وهناك. كما تهاجمنا في ليالي الصيف وبشراسة كافة أنواع الحشرات الضارة من النمل والناموس إلى الذباب والصراصير ،وربما نشاهد قريباً زيادة كبيرة في عدد الفئران التي تستمع بالقمامة المنتشرة في كل مكان. ناهيك عن القطط والكلاب الضالة التي نناظرها بين الحين والحين.

ويأتي التلوث في المياه، فأولاً كل من ركب أي نوع من أنواع الفلاتر لمياه الصنبور يذهل عندما ينظف هذا الفلتر من كمية الرواسب التي تتساقط، ويتساءل ما معنى هذا بالنسبة للملايين التي تستخدم مياه الصنبور بدون فلتر؟ ويحمدون الله على مجرد وجودها في الصنبور.

ثم نتساءل عن المأكولات، وبالذات المنتشرة بين الأطفال، وما الذي يدخل في إنتاجها من مواد وزيوت قديمة أو حديثة مغلية أو طازجة، كما نتساءل عن نوع وكمية المواد الحافظة الداخلة في التكوين، وكذلك المواد الملونة.

نعرف أن الأجهزة المصرية قامت بدور كبير عبر الزمن لتحديد مواصفات قياسية، ونعرف أنه قد نشأت جمعيات لحماية المستهلك، ولكن نطالب بتفعيل المواصفات القياسية، وبتمكين جميعات حماية المستهلك.

أما عن التلوث البصري، فقد شاهدنا بكل أسى البعض من أجمل وأحلى الأحياء المدنية وهي تتحول إلى غابات أسمنتية من العلب المبنية على أساس تجاري بلا أي مواصفات جمالية، كما شاهدنا وناظرنا أحياء بأسرها تبنى بلا تخطيط لحديقة أو منتزه، وهو من أبسط قواعد إنشاء المدن، وقواعد الصحة العامة.

وقد يقول قائل، وما أهمية الحدائق والمنتزهات والأماكن المفتوحة ؟

ونؤكد للجميع أن حديثة الحي تحمي المئات بل الآلاف من الصغار والكبار والبالغين من أمراض الربو وأمراض الرئة بما يكلف المواطن فرداً والمجتمع جماعة أبلغ التكاليف وأفدحها.

وينطبق الكلام الذي تقدم على أرقى الأحياء، فما قولنا في العشوائيات التي أصبحت تحيط بالعاصمة، سكناً للملايين، وحضانة وحيدة غير مناسبة لنمو مئات الآلاف من الأطفال والأجيال الجديدة المحرومة من قيم الجمال والنقاء والمواصفات الصحية الواضحة للنمو السليم.

ولنذكر لمن يقلل من أهمية القيم الجمالية، أن القيم الجمالية هي جزء أساسي من عملية التنشئة والنمو الصحي للمواطن. وأن الجمال ليس ترفاً على الإطلاق بل هو عنصر أساسي في تكوين العقل البشري، وفي تكوين نمط وطريقة التفكير. ولا توجد نظرية علمية رصينة قادرة على تغيير العالم، وتغيير الواقع دون أن يكون لها أبعاد جمالية.

الهندسة كلها علاقات جمالية، وكذلك الجبر والرياضة ،ناهيك عن الموسيقى العظيمة، وحرمان الآلاف بل ملايين المواطنين من عناصر الجمال في بيئتهم، وتركهم للعيش والنمو إلى البلوغ في بيئة كلها تلوث بصري، وفقدان عناصر الجمال له أضرار وتكلفة باهظة حتى وإن كانت غير واضحة بطريقة مباشرة.

إذا تجميل العاصمة ليس ترفاً بل ضرورة حياة ونمو وأمن وأمان ومواطنة.

أما عن التلوث السمعي، فنحن نرصد أن في معظم العائلات، وخصوصاً الطبقات الشعبية، ينمو الطفل في مناخ أشبه بمناخ القهوة الصاخب، وليس في مناخ النمو الصحي. ومعظم هذه البيوت التي يتكدس فيها عدد كبير من الأفراد في شقق صغيرة، تفتقد لأبسط قوانين الجمال، نجد الراديو والتليفزيون يعمل فيها من أول النهار إلى آخره، ومستوى الصوت على أعلى ما يمكن. فهل ندري أن هذا يوثر سلباً على النمو الذهني للأطفال؟ بل نضيف أنه يؤثر سلباً على النمو الجسمي في الأطفال، ويعلمهم البعد عن لحظات الصمت والتأمل الضرورية للتفكير وللإبداع. كما ننسى أن الغدة النخامية والمسئولة عن تنظيم معظم هرمونات الجسم، ومسئولة عن تنظيم إفرازات هرمون النمو هي غدة شديدة الحساسية للاعتداء البصري والسمعي المستمر، الذي يؤدي إلى اضطرابات في إيقاع النوم والاستيقاظ السليم، ويؤدي بالتأكيد إلى نشوء حلقة مفرغة من الاختلالات الهرمونية، قد تؤدي إلى آثار سلبية في الطفل أو الطفلة مدى الحياة.

لقد حدث تطور إيجابي في كثير بالنسبة لمكبرات الصوت المعتدية التي كان يتنافس فيها المتنافسون لإطلاق الآذان في الأحياء المختلفة بطريقة متداخلة في كثير من الأحيان، حيث تطلق عدة جوامع مكبرات الصوت الخاصة بها على أعلى مستوى صوتي في تداخل ملوث لا يفهم المستمع منه شيئاً من الآذان، الذي هو في الأصل دعوة جميلة إلى تأمل وعلاقة روحانية وصلاة هادئة مقبولة بإذن الله.

فإذا ذهبنا إلى الجوامع، وهي من أحد أهم المعلمين لأفراد المجتمع والأجيال الجديدة، وجدنا كل جامع ينافس ويتفاخر بما يحوي من مكبرات الصوت الكبيرة، فتأتي الخطبة في كثير من الأحيان كطلقات الرصاص وليست كلمات الرحمة والعدل التي أمر بها الدين الإسلامي الحنيف (أدعو إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة).

والعجيب أنه في بعض هذه الجوامع، وصوت الخطيب يجلجل صارخاً في كل الأنحاء يدخل الداخلون، ويقومون بصلاة تحية المسجد أثناء الخطبة، وهي ظاهرة لا نعرف أنه صدر عنها تحريم، ولكنها ظاهرة توجهنا أن ثقافة الصلاة عند كثير من الأفراد أصبحت حدث أتوماتيكي، خال من الجوهر، فكيف يقوم المصلي ليصلي في حالة من الهدوء والمناجاة والتواصل مع الخالق سبحانه وتعالى، وهو معرض لطلقات الكلمات الصارخة من مكبر صوت رهيب، ربما يكون موجه إلى أذنه مباشرة، وربما يؤدي على الأمد الطويل إلى ضرر بليغ في النظام السمعي.

أهكذا ننشئ أطفالنا وأجيالنا على أن الصلاة والتأمل والتواصل مع الخالق سبحانه وتعالى تتم في مناخ من الضوضاء والصراخ أشبه بالقهوة عنه أشبه بالجامع ودار العبادة ؟

وكيف للطفل الذي نشأ في البيت وفي المدرسة وفي الجامع وفي الشارع على الصخب والضوضاء التي لا تتوقف يوماً واحداً، كيف لهذا الطفل أن ينمو عارفاً ومقدراً لأهمية السكون والهدوء والتأمل والتركيز، وكلها ضرورات مؤكدة وأساسية في عمليات الابتكار والاختراع والاختراق العلمي والمعرفي ؟

مع ما نفعله في العملية التعليمية، هل لنا أن ندرك أن المجتمع ومناخ التنشئة للطفل هي العامل الأساسي، وأن فهم علمية التنشئة الكلية لابد أن يكون على آليات تنظيم البيئة بحيث تكون أكثر صحة وأقل تلوث ؟

 

 

 

Comments