News

بروتوكول العلاقة بين الطب التخصصي والعام والرعاية الطبية الأولية

طارق علي حسن
Alternative Health and Medicine
26-November-2018

بروتوكول العلاقة بين الطب التخصصي والعام

والرعاية الطبية الأولية

 

نعيش إلى هذه اللحظة اضطراب شبه كامل في العلاقة بين مستويات الطب المختلفة بما يضر المريض وبما يرفع تكلفة الرعاية الطبية ويخفض من كفاءتها على الدولة وعلى الجمهور.

والبروتوكول السليم في الممارسة الطبية هو التعاون والتكامل وليس الاستحواذ والسرية، ولا يجب أن نخلط بين حق المريض في السرية الكاملة والخصوصية الكاملة وهو حق طبيعي كثيراً ما ينسى عندنا، وبين حق وواجب المهن الطبية والتسجيل بأمانة مطلقة للمعلومات والإجراءات الطبية والعلاجية المتبعة بطريقة تشمل الاستعداد الكامل والقدرة الكاملة لتوصيل كافة التفاصيل الضرورية لأي تدخل طبي مشروع في صحة المريض والمشروع هنا دائماً هي إرادة المريض الواعي في اختيار الطبيب وصنع الحوار الطبي وهو حق مطلق للمريض ،ولولي أمره في حالة غيابه عن الوعي أو تدهور وعيه بحيث أنه إذا تغير الأطباء والمراكز الطبية ،لا يبتدئ كل طربف في إجراءاته العلاجية من المربع رقم صفر بل يبدأ كل مركز علاجي من حيث انتهى من سبقه ،هذا مفتاح ضروري للوصول إلى المجهود التراكمي التكاملي الذي هو ضرورة مطلقة لحسن الرعاية الصحية.

ويشمل تنفيذ المجهود التراكمي والتكامل بين مستويات الطب المختلفة إدخال هذه المبادئ في التعليم الطبي بوضوح ،حيث ينشأ الطلبة وصغار الأطباء على مبدأ التعاون مع زملائهم وأقرانهم وعلى أهم مبدأ في العلم وهو أن يعرف الممارس حدود عمله وهذا هو نمط العالم ،أما الجاهل فهو الذي يعتقد أنه يعرف كل شيء وليس بحاجة إلى استشارة أو تعاون أو تكامل ،وهذه آفة من أكبر آفات مجتمعنا ومن أكبر القصور التعلمي والثقافي آن لنا أن نصلحه.

لم تكن عندنا تفرقة واضحة لمستويات الممارسة الطبية وبحدود معقولة ومقبولة علمياً في مجال أدائها فكثيراً ما نجد طبيب الرعاية الأولية (يعك) في حالات أكبر من مقدرته بكثير،وهو يرفض بإباء وشمم الاعتراف بحدود علمه ومقدرته كما لا يحس بالطمأنينة ولا بروتوكول ما في حالة طلبه أو نصحه لأهل المريض الاستعانة بمستوى أعلى من التخصص أو التحرك نحو الاستشارة التي تسمى في الزمن القديم (كونصولتو) ويعرض بروح طيبة متفتحة تشمل الإقدام المتبادل بكل الأطراف المشتركة في الاستشارة الطبية في ظل آداب مهنية رفيعة تعلمناها من التعاون والاختلاف البناء في الآراء العلمية التي تقدم دائماً في صورة النقاش العلمي المفيد الذي يؤدي إلى تعمق الوعي بالموقف وليس إلى الاختلاف التشهيري الذي لا يؤدي إلى موقف بناء ويؤدي إلى فقدان ثقة المريض بالطب والمهن الطبية.

ومن جهة أخرى فما أكثر أن يجد الأخصائي في نفسه وقد دخل إلى مجال عمله مريض حالة حرجة تمت بصدده إجراءات كثيرة وأشعات وفحوص بل وجراحات وهو لا يعلم ولم يعلم عنها من فريق الرعاية الطبية السابق أي شيء مطلقاً فينطلق كما ذكرنا من قبل للبدء من المربع رقم صفر،وتضيع الساعات والأيام الحرجة والتي كان من المكن فيها تجنب الكثير من المضاعافات والتطورات السيئة لمجرد فقدان قنوات الاتصال من الرعاية الطبية المختلفة ولم يعد هذا الموقف الذي يعتبر كل مستوى يسبقه يعمل في واد منعزل ،لم يعد هذا الموقف مقبولاً بالمرة ،وهو بقية من ظاهرة التأليه المحجومة التي ما لم تصب مجتمع إلا وتشده إلى الخلف وتنقص من كفاءته وأدائه في جميع المجالات.

وأرى من أجل صحة المواطنين ومن أجل رفع كفاءة الخدمات الصحية ومن أجل حماية المرضى من الكثير من المضاعفات المميتة أحياناً والتي يمكن تجنبها لابد لنا منذ سنوات التعليم المبكر غرز مفاهيم وقيم عمل الفريق وكذلك غرس مفاهيم وقيم التسجيل الحق والدقيق والعلمي كي يتحول المجتمع في كل مجال وبالذات في المجال الطبي إلى عمود تراكمي تكاملي وليس مجرد تداخلات شبه عشوائية من "أبطال ونجوم" يحافظون على نجوميتهم ولا يهمهم المريض أو المواطن أو المجتمع أو كفاءة الرعاية الصحية ككل.

ونأتي هنا إلى عملية ترشيد الجهود التشخيصية وخصوصاً في ظل انبثاق العديد من المسالك التشخيصية التي تقتضي الحكمة كل الحكمة والتعاون الغير مخصص لتقييمها واستنباط معناها وإلا تتحول بدلاً من إضافة تشخيصية إلى مخاطرات وتكليفات لا طائل حتماً من ورائها.

ما يندرج تحت هذه المعضلة التي نتكلم عنها معضلة الرعاية المركزة وما يحدث عند تحويل المريض إليها وينطبق على هذا الحدث بالضبط ما ذكرنا في أول المقال من عدم وجود قنوات التواصل بين الأطباء في المستويات المختلفة ومن أن كل طرف يبدأ من المربع رقم صفر في غياب بروتوكول التوثيق ونقل المعلومات والتعاون معاً كفريق في وضع استراتيجية للتواجد في الرعاية المركزة وهي الاستراتيجية الغائبة في أغلب الأحيان وتسمى استراتيجية دخول واستراتيجية خروج

Iterance and Exit Strategy

والذي نجده في أغلب الأحوال قرار دخول بلا استراتيجية وغياب كامل لتخطيط الخروج، ويدخل في هذا طبعاً دخول المصالح والطب التجاري إلى مجال الرعاية الطبية الأولية والثانوية والتخصصية ،وذلك خط كبير ومفروض أن يهتم التعليم والنقابات ،وبالذات نقابة الأطباء بالتحكم فيه وتحديد أضراره ومخاطره وعلاجها أولاً بأول.

ولو قمنا بتحليل بحثي علمي لحالات المرضى في الرعاية المركزة لكل المسشتفيات المصرية لوجدنا نتائج تدعو إلى القلق الكبير ولوجدنا إجابات غير مقنعة عن لماذا يتواجد المريض في الرعاية المركزة ،وعدد الأيام التي قضاها والهدف من التواجد مع البيانات الوافية عن الحالة الصحية والمتابعة الدقيقة التي تظهر التقدم أو التأخر والجدوى أو اللا جدوى ،وكأن كل مريض تتدهور حالته يلقى به في الرعاية المركزة دون رؤية ودون استراتيجية.

وهناك مستفيدون من هذا الوضع مع اختلاط التجارة في الطب مع العناصر الإنسانية الضميرية الرفيعة التي نرى أن الأطباء مثل القضاة لابد أن يتحلوا بها وإلا وضعت بذور انهيار اجتماعي عاجل أو آجل مع غياب الثقة ،ولعل أزمة الثقة هذه هي من أهم العوائق المشروعة في قبول المجتمع لقوانين زراعة الأعضاء.

ولا يمكن في غياب الرؤية والتوثيق والشفافية أن يكون من المقبول أن مجموعة نصف مخفية تأخذ قراراتها في السر وصاحبة مصلحة مباشرة أو غير مباشرة تصدر القرار بالنسبة لمريض بأنه توفى أو لم يتوف من أجل أخذ عضو من أعضائه الحيوية لاستعماله في زرع الأعضاء ،فالطريق إذا لزرع الأعضاء هو أن تصلح المهن الطبية من نفسها وترتب بيتها من الداخل أولاً وتتخذ من الإجراءات وتلتزم بالآليات التي تفصل بين المصلحة الطبية للمريض والمصالح التجارية ومصالح شركات الأدوية ومصالح المستشفيات المختلفة فصلاً واضحاً بيناً محمياً بقوانين ولوائح لا ضرار منها.

Comments