News

إخوان مسلمين أم دين جديد ؟

طارق علي حسن
Political and Social
27-April-2019

إخوان مسلمين أم دين جديد ؟

 

 

لا أعتقد أن أحداً ممن قرأ قصة نجيب محفوظ القصيرة الرائعة عن الشاب اللطيف الدمث ،الذي تغير بالتدريج ،وقصها نجيب محفوظ في سلاسة وعبقرية ،حتى ينتهي به الأمر بالتغريب عن عائلته وأصدقائه ،ثم انتهى به الأمر إلى المحاكمة والإعدام .

 

وفي حياتي التعليمية الطويلة ،والتزامي الحياتي بظاهرة النشء والنمو والتطور ،طالما رأيت هذه الظاهرة في شباب وشابات من خيرة وأمل أولاد وبنات مصر ،تحدث لهم هذه الظاهرة الغريبة ،والحقيقة إني رأيت مثل هذه الظاهرة أثناء عملي في التدريس في بريطانيا في بعض الشباب والشابات ،الذين التقطتهم بعض الجماعات مثل الماسونية والصهيونية والساينتولوجي Scientology .

 

يلاحظ أولاً على الشاب قدر غريب وغير مفهوم من التباعد ،وانحسار متصاعد في روح الدعابة والفكاهة والتفاعل مع الأخرين ،ثم تجنب للمناسبات الإجتماعية وميل متصاعد للعزلة الظاهرية ،ثم فترات من الاختفاء المبرر والغير مفهوم والمحاط بسياج من الكتمان ،وغياب الشفافية مع الغياب الغير مبرر ،وهو غياب يقضيه مع جماعته الجديدة الذي تسحبه بالتدرج في جماعته الطبيعية وعلاقته الأسرية وعلاقات الصداقة والدراسة.

 

و مع هذا الانسحاب التدريجي ،تلاحظ عناصر جديدة في السلوك ،تشمل قدراً من العدوان المكتوم لكن المتصاعد تجاه الزملاء والأقارب ،والعلاقات السابقة ،والأهل مما ليسوا على الهدي ( الهدي الذي اهتدى إليه دون غيره ) والذي يضن به على الآخرين ،وفجأة تكتشف أن الصديق المفقود أو الأخ أو الإبن المفقود أصبح منتمياً لجماعة من الجماعات السرية ،ولتكن جماعة الإخوان المسلمين التي تنطبق عليها كافة مواصفات الجماعات السرية في المجتمعات الغير سوية ،التى عرضت عليها بالمقالة السابقة الخاصة بهذا الموضوع.

 

أما إذا كان الشخص المتحدث عنه فتاة ،بالإضافة إلى ما تقدم ،تلاحظ لهذه الظواهر العجيبة والغريبة انحسار تدريجي ومتصاعد لكل مظاهر البهجة والسعادة خاصة في الحياة ،وفي الجسد ،وفي كل النشاطات الجسمانية ،يضاف إلى ذلك شعور متصاعد بالإثم تجاه كل ما هو جسدي وجسماني ،ويصاحب ذلك معه أو قبله أو بعده ظواهر التغطية المناسبة والغير مناسبة للجسم والوجه ،والشعر بطرق يجدون لها في ما أصبح فعلياً ديناً جديداً يؤمنون به ويمارسونه.

 

يبتدىء المصاب أو المصابة فى ظاهرة غريبة ومفجعة لما يحبونه من الأصدقاء أو الأهل أو المدرسين ،وهي ظاهرة عدم الاستماع ،وتحول الحوار معهم أو التعليم أو تجربة محاولة التعليم معه الى رحلة من الإحباط الغريب يمثلها فى بلاغة مقولة (حوار الطرشان) و كأننا أصبحنا نتعامل مع ما يقولون Automations أي كائنات أوتوماتيكية لا تعمل ولا تتجاوب إلا بالضغط على أزرار معينة لا يعرفها و لا يعرف الضغط عليها إلا القادة في الجماعة السرية على الأغلب .

 

و طالما أجهدت نفسي في محاولة فهم هذه الظاهرة ،فوجدتها تنطبق في تعبير منطقي ومفهوم على أتباع الدين الجديد ولعل ذلك كان سلوك المسيحين الأوائل في العصر الروماني والمسلمين الأوائل في العصر الجاهلي ،سرية وانعزال وامتناع عن أي حوار حقيقي وعند الضرورة والضغط تستعمل الطاقية في تمثيل الحوار والاقتناع ،وهو ليس بحوار وليس اقتناع ،ويكف صاحب الدين الجديد عن الاستمتاع والبهجة بما يستمتع به الناس ويبتهج به الناس الأخرون ( الكفار )

 

ولم أعجب كثيراً حينما وجدت فعلاً أن لدى كثيرين من أعضاء الجماعة السرية نعتبر كفاراً لا يجوز الحوار الحقيقى معهم وإن كان بطلنا مضطراً فليحاور مستعملاً الطاقية حماية لنفسه من الاكتشاف ،وهو لا يدري أن الاكتشاف مؤكد ومستمر في صورة إحباط متصاعد يصيب المحاور ويصيب الساعي إلى مد يد الثقافة والتفاهم ،وهذا الإحباط الغريب المتصاعد يتراكم بالتدريج ليجعل من جماعات الدين الجديد ،هذه جماعات مرفوضة ومضطهدة ،وهو ما انطبق على معظم الأديان الجديدة قبل أن تدور دائرة الزمان ،وتمتلك هذه السلطة واليد العليا ،فتفرض نفسها على الجميع هؤلاء الذين اقتنعوا وآمنوا بها على حق ،أو هؤلاء المرغمين على اعتناق الدين الجديد حتى أصبحوا هم الطرف الأضعف في المعادلة.

 

والعجيب أن هذه الآليات التي تطورت مع معظم الأديان آليات التي نجدها مع التحليل تصدق مع معظم الأديان تحولت إلى إزمان في حالة اليهودية حيث استمرت اليهودية في التصميم على الحفاظ على المسافة والمساحة بين أصحاب الدين الجديد ( اليهودية ) والآخرين ،بينما رحبت معظم الأديان في دخول الآخرين تحت مظلتها مع دوران الزمن ليحموا أصحابها من الجماعة المستضعفة إلى الجماعة الحاكمة ،والواقع أن جماعة الدين الجديد الذين يسمون أنفسهم الإخوان المسلمين ،لا يزالون في مرحلة العدوان مع الآخر ،رغم أنهم أصبحوا على شفا التحول إلى السلطة القائمة مع دوران عجلة الزمان ومع هذا لا يزال الغالبية غير قادرة على التخلص من ديناميات التخلص والطاقية والتخلص من الآخر ،وبهذا يتحولون كمثل اليهودية إلى مشكلة اجتماعية سياسية دينية بالغة الخطر فارقة إلى أقصى درجات المعاناة على نفسها وعلى المجتمعات المصابة بها .

 

هل نحن بصدد جماعة اجتماعية رياضية دعوية تنموية ؟ أم نحن بصدد جماعة جعلت من نفسها ديناً جديداً يمر بكل المراحل المرضية التي يمر بها أصحاب الدين الجديد في مرحلة من مراحل التطور البشري تخطت فيها البشرية مرحلة تعريف المواطنة والأمة عن طريق الدين.

Comments