News

عن تقسيم المعرفة

طارق علي حسن
Discussions
9-November-2018

عن تقسيم المعرفة

 

يتفق الدارسون أن المعرفة الإنسانية تنقسم إلى ثلاثة أقسام رئيسية :

1-              المعرفة العلمية

2-              المعرفة الفنية

3-              المعرفة التـنزيلية

أما عن المعرفة التنزيلية التي يتعلمها المواطن (الطالب) في رحلة النمو والتنشئة والتعليم في البيت ودور العبادة والمدرسة والجامعة، فيحرص جنود الثبات والسلفية أن تكون "دوجما" نصوص جامدة مجمدة لا تغذية روحية ووعي كوني، وهي مزيج من التخويف والترغيب مع طقوس مفرغة من المعنى والمحتوى في هذه الظروف تفصل تماماً بين المعاملات والعبادات وتعلم أن المظهر أهم من الجوهر بل هو بديل أساسي له.

وتحولت المعرفة التنزيلية عندنا إلى ثبات في ظل فقر الفقه ،فقه التكامل والتعدد والتنسيق بين الثابت والمتحول وإن كان الكل متحول.

والملاحظ أن لكل نوع من أنواع المعرفة اشتراطات وقواعد وأصول فهم وتطبيق وبحث شديدة القوة وشديدة الصرامة وإذا تم الحياد عنها يمكن أن تتحول المعرفة إلى عكسها أي إلى منزلق من مزالق التجهيل بالمعرفة والإدمان والإظلام، الذي يزين لأنفسهم القائمين به أن علم ومعرفة واستنارة ،ويتحول الأمر عندنا كما هو واضح إلى "سمك لبن تمر هندي".

ومن مواصفات المعرفة مثلاً أن المعرفة العلمية قوانينها الشك المستمر والتساؤل والأسئلة والأخذ والعطاء والمواجهة والتفاعل والتطور والتغيير المستمر بإيقاع يفرضه العلم وتطبيقاته وتفرضه التحديات الدنيوية المادية المتغيرة.

أما المعرفة الفنية فمأساتها في مجتمعاتنا هي المأساة الكبرى ،فنحن عموماً لا نعترف بها أصلاً، ولا نعترف أن الفن وسيلة من وسائل المعرفة ،وعندنا بكل عناد الفن وسيلة من وسائل التسلية وشغل وقت الفراغ وليس له دور معرفي. وإذا قارنا الفنانين بالعلماء في مجالس الكليات أو الجامعات أثرنا الضحك والسخرية ،وليس عجيباً أن هذا المنظور العنيد يؤثر على وعي الفنان بنفسه مؤدياً إلى إثارة الضباب والتجهيل على دوره الاجتماعي والحضاري ورسالته المعرفية العظمى ،كما يؤثر هذا المنظور الحديدي المغلق بالطبيعة على رؤية الفنان في مجتمعنا لنفسه كأداة تسلية وشغل وقت فراغ، يشغل مرتبة دنيا مشبوهة في مستويات النشاط المجتمعي، كما يؤثر على مستوى ومحتوى الإنتاج الفني وعلى إزمان عدوان اجتماعي ثقافي مكتسب ينهال على الفنون المعرفية الجادة التي تأتينا بين حين وآخر أو يبدعها بعض الفدائيين المغامرين الشجعان في مجتمعنا لنشاهدها بين حين وآخر باستهتار واستخفاف وسخرية وتعجب واستعلاء مرضي. نضحك عليها ومنها لنؤمن أنفسنا من التحديات التي تحملها لنا في باطنها بما تحمل من تحديات لمناظيرنا الجامدة وندمغها بسرعة أنها غريبة وغربية، ويمكن أن نتمادى لنوصمها بالحرمة والحرام. فالأوبرا عندنا سيدات مجنونات يصرخن بلا سبب! ورجال أكثر جنوناً يصبون جام غضبهم على بعض وعلى الجمهور، وسيمفونيات بيتهوفن التي غيرت مسار ووعي البشرية "خبط ورزع ودوشة" بلا داع ولا سبب والبوليفونية والتعددية في الموسيقى والفنون "نشاز ولخبطة"، وروائع الفن التشكيلي التجريدي لعمالقة المسيرة البشرية نحو التوازن والعدل "نغابيش فراخ" لا يعرف أحد الفرق بين الصورة مقلوبة أو معدولة ،ويكفينا للتدليل على هذا الموقف ما أثرناه من تعليقات ونكات ساخرة على الكابوكي وهو من أحد أرق الفنون التعبيرية اليايانية وأكثرها حساسية ،والرحلات الفلسفية العظمى لكبار الفلاسفة عندنا "تهويمات وجنون" يستدعي التهكم والتنكيت، ومعظم الحركات الفنية الاستكشافية التي تمثل الحرس المتقدم لحركات المعرفة الفنية في مسيرة البشرية تستدعي عندنا التهكم والسخرية ولا تلقى في صحافتنا وأجهزة إعلامنا أي اعتراف أو تقدير أو مساحة أو حتى مجال للنقد والتحليل، أو حتى مجرد الإعلام عنها أو الإعلام بالأحداث النادرة التي تقدم عندما يغامر مجموعة من "الفدائيين" بتقديم تجربة من تجارب الحداثة الحقيقية في الفن التعبيري أو الكتابة معرضين أنفسهم بالضرورة في هذا المناخ لتضحيات مادية ومعنوية هائلة لا مردود منها إلا الإعراض والتجاهل والسخرية وربما العدوان والتجريم، والأهم والأخطر في تنويعات هذا العدوان ضد الفن التعبيري الاستكشافي هو التهميش والتجاهل. أما الباليه عندنا فهو عري وجنس وعيب ومسخرة، وكأن رقصنا الشرقي الذي نقبل عليه بشهية لها دلالاتها هو حكمة وفلسفة وحشمة!! والفيديو كلبات التي انتشرت كالوباء، حكمة وعظة وحشمة ومعرفة مدعمة للرحلة البشرية نحو العدل والحدق والتوازن، وتستدعي الاهتمام والتمويل والتدعيم أكثر آلاف المرات من سيمفونيات بيتهوفن وإبداعات المهمشين من الموسيقيين المصريين المعاصرين في القوالب التعددية البنائية المعمارية.

أما الشعر وما أدراك ما الشعر فعندنا حالة غرق كامل في الإعجاب النرجسي بالشعر العربي الذي نؤمن أنه ليس له مثيل أو نظير وننسى ونتناسى فقر البنيان والمعمار وغياب الدراما إلا من محاولات رائدة لأمثال أحمد شوقي، وصلاح عبد الصبور، وعبد الرحمن الشرقاوي أزحناها رغم أهميتها الكبرى إلى الظل ونتجاهل ما تحمل من تحديات دون متابعة.

وإذا كانت المعرفة العلمية منهاجها الشك والسؤال المستمر والتفاعل والحركة المتولدة دوماً من النظرية والنظرية المضادة. وإذا كانت المعرفة الفنية أيضاً معرفة متحركة تفاعلية تعتمد على الحفاظ على ملكات العواطف والخيال وتنميتها، كما تشترط الحرية الكاملة وتمتع الخيال باللا محدودية اللا نهائية وتدريب الملكات التعبيرية على أعلى مستوى في مناخ يحترم تدريب الملكات الفنية ويضعها مع أعلى مراتب التعليم وأعلى مراتب التدريب العلمي والعملي، فإن المعرفة التنزيلية منهاجها في ظل الفقه الديني السائد وفي ظل غياب الفنون التي ترقق الروح الإنسانية وتؤدي إلى تساميها، يكون منهاجه سلطوياً يقينياً يؤكد الثبات ونفي السؤال.

فإذا ولَّدْنا في ظل انتكاساتنا المتعددة مجتمعاً ينفي المعرفة العلمية المتحركة وينفي المعرفة الفنية الحية، وينفي الفقه الحي المتفاعل، ولا يسمح بمجالات الانطلاق للخيال الإنساني ثم عمقنا المعضلة بخلط المعرفة العلمية بالمعرفة التنزيلية التي ثبتناها وقدسناها تعويضاً عن فقر الخيال والفقه والقادر على الوصول إلى الجوهر الحي النابض للمعرفة التنزيلية. ثم عقدنا المسالة باستيراد وخلط العارف الغير متكاملة الغير متفاعلة كل منهم استيراداً متعسفاً إلى غير مكانه، حتى اصبحنا في حالة سلاطة معرفية وسلاطة استنتاجات واستنباطات خطرة مدمرة للوعي وللحركة ومنشئة للثبات والظلامية ولانغلاق الطريق إلى فهم الأسباب والأخذ بها من أجل التقدم والنهضة.

ونحن نتبع في استسهال مخيف مقولة "العلم والإيمان". وهذه المقولة في رأينا مقولة مستحيلة، فالعلم والإيمان لا يختلطان بدون تغيرات جذرية في الفقه الذي يصلنا بالجوهر النابض الحي للمعرفة التنزيلية. وقد وضحنا أن العلم منهاجه الشك والتفاعل مع العكس والتطور وقبول كامل للتعدد والإيمان في ظل فقر الفقه يتطلب ويفترض اليقين والثبات. وأي عالم متعمق يعرف أن نقطة اليقين هي نقطة نهاية العلم ورحلة المعرفة. وإذا اعتقد المستسهلون أو المتعصبون أننا نقول بأن العلم يناقض الإيمان فهذا بعيد عن ما نقصد. وفي رأينا أن العلم يؤدي إلى الإيمان ولكن العالم حقاً يعرف أن للعلم شروطه ومواصفاته، وللإيمان شروطه ومواصفاته، وهما لا يختلطان بدون براعة تنسيق ضرورية وفقه مبدع ضروري لكي لا يقضي الثابت على المتحرك في المعادلة الصعبة ولكي لا يقضي اليقيني على الذي لا يعيش إلا بالحق في الشك والسؤال والتساؤل، ولكي لا يقضي بطيء الحركة بالضرورة على سريع الحركة بالضرورة أيضاً.

ويبدو أن الفقر المعرفي الذي انغمسنا فيه فتح شهيتنا لنشاطات خلط المعارف بدرجة مخلة تدعم في مجتمعنا وتكرس أنواع من الجهل والتجهيل المخل. ومن أهم الاختلالات التي نعيشها الاستيراد التعسفي للقرآن الكريم في كل عظمته اللانهائية من أجل تصغيره إلى كتاب علمي يُثبت أو يُناقض النظريات العلمية. ورغم أننا درجنا في حالة الفقر الفكري الذي نعيشه على الإعجاب بهذه العملية وأقطابها إلا أننا نرى فيها تصغيراً لا يليق بمعرفة تنزيلية إلهية ويُعَرِض هذه المعرفة لمواجهات عكسية متناقضة مع مواصفات المعرفة التنزيلية كما أسلفنا.

أين يا ترى هذه الأفكار من رحلة التنشئة والتعليم لأجيالنا الحديثة؟

الراصد لنظم التعليم عندنا والتعليم الأساسي يُصدم بغياب الأبعاد الفنية الثقافية في عملية التعليم وفي المقررات تعليماً وممارسة ،ولما كنا في المقالات السابقة قد أشرنا إلى عملية تسييس الجامعة كمرفق تابع للدولة وتسييس القيادات الجامعية كتعينات سياسية.

لا يوجد تعليم جامعي بدون ثقافة وفنون وسياسة تنمي الأوجه المختلفة للشخصية الإنسانية في المجالات العقلية والفكرية وفي المجالات العاطفية والوجدانية معاً لكي لا يحدث عدم توازن مخل في نمو الشخصية ،ولا يمكن أن يوجد تعليم جامعي بدون حوار مستمر وتفاعل مستمر وتقادح الرؤية مع الرؤية المضادة بصفة دائمة ومستمرة وحية وآمنة، ومن هنا مفهوم الحرم الجامعي وليس هذا الانتكاس غريباً في ظل أجيال من القيادات الجامعية التابعة للسلطة والتي تفهم عن التعليم أنه حشو لأمخاخ الطلبة والطالبات بكم هائل من المعلومات (المقرر) يشغلهم عن التفكير في السياسة أو الاشتراك الناقد التحليلي في شئون الوطن الآنية، مع فهم التعليم دور الجامعة الأساسي أنه القيام باحتواء زهرة شباب المجتمع تحت السيطرة كما يقولون وكما تقول اللائحة بكل جرأة عن مهام الأساتذة : "حفظ النظام داخل المدرجات"!!

وبهذا اختطفت الجامعات لتلعب بدلاً من دورها في التعليم النمائي متعدد القنوات دوراً بدلاً منه في أمن الدولة من المنظور الأمني البوليسي.

إذاً تغيب عن جامعاتنا النشاطات الموسيقية والغنائية والتعبيرية والرياضية والمسرحية والمناظرات الحقيقية ،وإن تواجد بعضها بصعوبة أصبح في ظل مفاهيم التعليم السائدة (تعليم كم المعلومات) تهديداً لمستقبل الطالب ولتقدمه العلمي في كليته بدلاً من أن يكون تدعيماً كبيراً له.

وفي كل الجامعات التي تعرف كنه التعليم الجامعي نجد أن الطلبة الذين لهم نشاط موسيقي أو فني أو مسرحي أو تعبيري أو رياضي يحصلون على درجات أعلى ،ويحققون المستوى العلمي الأعلى ويصلون للمناصب الأفضل بالنسبة لأقرانهم الذي لا يمارسون هذه النشاطات الموازية والضرورية للنمو، إلا عندنا في ظل ما وصفناه من ترديات، فالطالب الذي يقوم بنشاط فني أو مسرحي أو رياضي أو تعبيري معرض لأن يفقد مكانه العلمي بين أقرانه وأن يفقد الحق في الوصول إلى الوظائف المميزة في الجامعة.

أي أن الجامعة تحولت إلى معقل لغسيل مخ الطلاب بدلاً من بوتقة لتنمية قدرات ومواهب شباب المجتمع، وبدلاً من تنمية وتشجيع وصقل المواهب نجد الإرهاب المعلوماتي الامتحاني بتعليم الكم الهائل من المعلومات العقيمة مضافاً إليها إرهاب الامتحانات المبنية على كم المعلومات مضافاً إليه غسيل المخ الطبيعي المنتظر في هذا المناخ نحو التعود على منظور أحادي ثابت بلا حوار أو تفاعل.

رحلة في جامعات العالم المنحازة إلى التعليم النمائي نجد :

السياسية التعددية التفاعلية والمنابر السياسية والبرلمانات المصغرة وهيئات الأمم المصغرة تمارس نشاطاتها بحرية كاملة.

الفرق الموسيقية.

فرق الكورال والغناء.

فرق المسرح.

نشاطات الفن التشكيلي بأنواعه.

نوادي القراءة والمناظرات الحرة الفعالة.

كافة أنواع النشاط الرياضي والتعبيري.

كل ما تقدم نجده كجزء لا يتجزأ من عملية تعليم وتغذية وازدهار مواهب الشباب وقدراتهم العقلية والجسدية والعاطفية والعلمية والمعرفية ومهاراتهم التطبيقية والتعبيرية والحوارية.

وإنني أتساءل أين فريق الكورال النابع من جامعة القاهرة؟ وأين فريق الموسيقى؟ وأين فريق المسرح؟ وأين مكان هذه النشاطات الحيوية من العملية التعليمية ومن المناهج؟ وهل يستمر الوضع أن من يمارسها أو يجرؤ على ممارستها يعاقب تعليمياً وأكاديمياً !؟ إن لم يكن أمنياً؟

Comments