News

"الوطنية المفتقرة"

طارق علي حسن
Political and Social
13-November-2018

"الوطنية المفتقرة"

 

كنت ولا أزال أعتقد أن من أهم مظاهر واختبارات الوطنية والالتزام الوطني هو تشجيع الكفاءة والقدرات أينما وجدت.

ولكن رحلتي الجامعية الطويلة في الجامعة المفروض أن تكون أرقى تجمع مجتمعي وأكثره وطنية تذكرني بمناسبات عديدة قام فيها أفراد وقامت عوامل متعددة تتحكم فيها بتهميش وتحييد وحرمان أفضل الكفاءات المتصورة.

ونحن مجتمع لا يشعر بأي قدر من الخجل والحاجة إلى التحليل الناقد للنفس حيث تفتخر بأمثال أحمد زويل ومجدي يعقوب وفاروق الباز دون أن نتساءل لماذا وكيف جامعاتنا ومجتمعنا قوة طاردة لهؤلاء الناس؟

والتساؤل هل مع كل أحمد زويل أو غيره هل هناك فئات أو علماء لم ينجحوا في الاختراق وتم تهميشهم وتم ابتلائهم بالموت البطئ في حياتهم العلمية في مجتمعنا الذي يضيع فيه كثيراً بسبب النزوات الشخصية التحتية كمحاولة لتهريب الكفاءات وقوميتها على حساب الوطن.

أناظر مأساة مروعة لم تكن في حسبان المجتمع المصري قبل الخمسينيات ،فقد كانت الوسيلة في المجتمع المصري قبل الخمسينات للخروج من دائرة التهميش والعجز والقهر والفقر هي التعليم والكفاءة والقدرات، وقد مارس المجتمع المصري منذ القرن التاسع عشر هذه المعادلة بكل إخلاص وبأفضل النتائج، حيث كان المجتمع المصري يقفز قفزاً نحو التقدم واللحاق بركب المجتمعات المتقدمة والرائدة وقدم لنفسه وللعالم عدداً من الرواد في كل مجالات الحياة. وقد استمر هذا الاتجاه العظيم والحيوي حتى تبنت القيادات الشعار السامي "أهل الثقة وليس أهل الكفاءة" والثقة قبل الكفاءة.

ومع تطبيق هذا الشعار من أعلى وبكل ضراوة تم هدم ثلاث من أهم ركائز المجتمع المصري (التعليم، الكفاءة، القدرات).

زرعت بذور شيطانية فهمت أن الطريق إلى التقدم السياسي والاجتماعي هو النفاق الاجتماعي والإخلاص الأعمى (الذي هو ليس بإخلاص مطلقاً) والمداهمة والفهلوة وتمثيل ظواهر الأشياء دون الجوهرية وخيانة الأصدقاء والرواد والأخوة والمرؤسين من أجل التقدم خطوة نحو الرؤساء بأي ثمن.

تفشت هذه القيمة الضالة والمسمومة التي نراها وأصبحت بكل أسف مأساوية وحقيقة في مجتمعنا.

وخلقت هذه القيم المرتبطة مؤسسات وتكوينات تنميها وتدعمها، وببساطة الويل لنا إن لم نسارع لاستكشاف آليات العودة، وأليات تقديس العلم والقدرات، وجعلهم أساساً في طريق التقدم سواء في الجامعة أو في المجتمع ككل.

ولن يتم ذلك بسهولة حيث أن المجتمع أصبح مصاباً مخترقاً، كما يخترق السوس الخشب السليم ويبلغ منه من كل جهة. وأصبحت في المجتمع مجموعات من المستفيدين من القيم المقلوبة التي تشغل أقوى المراكز وأكثرها تأثيراً. ولن تتخلى مراكز القوى هذه أبداً عن سلطاتها ولا إمكاناتها ولا تميزها بسهولة.

فالمطلوب رؤى عبقرية وإرادة حديدية تطهر قلب هذا المجتمع من بؤر السوس العميق الذي ينخر فيها. ولن يتخلى أي من هذه البؤر عن حكمها المتميز بسهولة ،ولكن الأمل يظل في أنه لكل داء دواء وأن هناك مجتمعات تردت فيما نحن فيه وأشد، واستطاعت بالإرادة والأمانة والتصميم والصدق والشفافية أن تصل إلى الشفاء بإذن الله.

Comments