News

موتسارت ودوره في تأكيد وحماية عبقرية الأطفال

طارق علي حسن
Mozart
6-October-2018

موتسارت ودوره في تأكيد وحماية عبقرية الأطفال

 

ازداد الحديث مؤخراً في الأوساط الفنية عن تأثير موسيقى موتسارت على الذكاء وعلى الجهاز العصبي وعلى البصر لدى العينات المميزة صغاراً وكباراً.

وهذا ليس بعجيب على موتسارت العبقري الموسيقي العالمي، الذي تساير موسيقاه السلسة والعميقة في نفس الوقت أذواق معظم الثقافات والحضارات والأعمار. وليس ذلك في رأي أهم ما منحه موتسارت للبشرية، فقط أعطانا موتسارت بنفسه وبحياته مثالاً مذهلاً لعبقرية الأطفال. والمستنتج من فترة نمو وتطور ما سمي وقته بالطفل المعجزة موتسارت، يقتنع تماماً أن في الطفل مواهب وقدرات جبارة لو أمكن اكتشافها وتنميتها مبكراً قبل أن تزول وتذوى. وهناك رأيان في هذا الموضوع.

يرى الأول أن موتسارت وأمثاله من العبقريات الفذة في الطفولة هي أمثلة فردية ونادرة ولا يمكن منها أي استخلاص أو تعميم على قدرات الأطفال.

أما أنا فأنتمي إلى الرأي الآخر الذي يرى أن موتسارت وأمثاله من الأطفال الأفذاذ ينبهونا إلى أن الطفل بطبيعته عبقري وخلاق يمتلئ بالحيوية والقدرات الفذة، وأن الشرط الأساسي هو أن يتواجد الطفل في السن المبكرة في محيط ملائم ومنظومة تعليمية وتنموية مناسبة تعمل على تنمية المواهب والقدرات والإبداع.

والعبقريات الفذة التي اخترقت سياج التعليم والتربية المضادة للإبداع التي تمارس على أغلب أطفالنا اخترقت فقط لمصادفة تواجه في محيط استطاع أن يفهم العبقرية وأن ينميها ويشجع فيها الإبداع والانطلاق.

فالمصادفة أن موتسارت كان ابن لأب موسيقي ومعلم موسيقى معروف. فهل كان سيفلت بعبقريته لو كان أبوه حداداً أو نجاراً أو حتى طبيباً يسعى لكي يلوي ذراع ابنه ليكون طبيباً مثله ؟

لا أحد يعلم الإجابة على وجه التحديد ولكن مشواري الطويل في التعليم يؤكد لي أن الأطفال والمراهقون، وهي الفترة التي أسميها فترة الميلاد الثاني في الإنسان، مفعمون بعبقريات ومواهب فذة في مجالات عديدة ومختلفة وأن المجتمع الذي يفوز بالغنيمة الكبرى هو المجتمع الذي يعي هذه الحقيقة ويسعى لاحتضان الأطفال والمراهقين لتنمية المواهب إلى أقصى درجة ممكنة وليس العكس كما يحدث عندنا وبكل ضراوة حيث أن أهم وسيلة لقتل المواهب في الطفل والمراهق هي تحميلها تعليمياً بواجب حفظ وترديد الكم الهائل من المعلومات المرهقة والتي نسميها تعليمياً عندنا كماً.

إن الرفض المبكر للخروج عن النص والاختلاف ولطرق التعبير الحرة هو أيضاً من أدوات قتل الإبداع، ونحن نمارسها في واقعنا التعليمي والتربوي بكل ضراوة وتصميم وكأننا مصممون بكل إباء وشمم أن نقتل المواهب في أطفالنا وفي أجيالنا، ثم نبكي ونولول عندما ينضب المجتمع ويجف منابع الإبداع فيه. وتزداد البطالة إزاء طوابير العاطلين بلا مواهب أو قدرات، وعندها يفشل أبناء المجتمع في إعطاء قيمة مضافة حقيقية لأي منتج مستخرج من الواقع الجغرافي لهذا المجتمع.

فعبقرية الأطفال ثم الشباب هي التي تحول حقائق الجغرافيا إلى ثروات ضخمة، والفشل في إطلاق المواهب والعبقريات هو من الأسس الرئيسية للفشل الاقتصادي ولانتشار البطالة ولانحسار دور المجتمع ككل كمؤثر ومتفاعل مع عالم الحداثة والمعاصرة.

Comments