News

العلاج من النازية De- Nazification

طارق علي حسن
Political and Social
3-October-2018

العلاج من النازية De- Nazification

شفاء المجتمع من النازية

                                                حدث تاريخي موثق بعد الحرب العالمية الثانية

الفكر الأحادي المغلق الجامد الذي يدفع دفعاً إلى درجة الإيمان المقدس الذي  يمس ظاهرة إنسانية فردية وجماعية حدثت وتحدث على مر التاريخ ومن هذا الفكر نبعت تنويعات التعصب المختلفة وآليات توليد وتفعيل العدوان بين الأفراد والجماعات وبين الشعوب.

ومن التسلسل المنطقي البسيط إذا كان موقفك إنك على حق مطلق فمن البديهي أن الآخر على باطل مطلق بلا شك ,وإن كان إيمانك أنك وجماعتك حاملين للحق المطلق فهذه كارثة تؤدي إلى مواجهة تدميرية محتومة للآخر فإذا اخترنا هذا الموقف المريض مرحلة أخرى أن هذا الحق المطلق الذي يميزني عن الآخر تمييزاً فوقياً ليس مجرد فكر إنساني بل هو إرادة الله وكلام الله وأمر الله فى الأرض فإن المصيبة تتفاقم وتتعاظم بلا حدود وتصبح بعدد مآسي أحاديث البشرية فى مسيرتها.

 

تابعت مؤخراً تلخيصاً لكتاب المؤرخ والباحث الإنجليزي Andrew Roberts بعنوان عواصف الحرب The storm of war وهو يدرس ويحلل بذكاء كيف أن صعود الحزب النازي فى ألمانيا فى البدء عن طريق الأيديولوجية التعصبية النازية التي حملت التعالي على باقي البشر وعلى بقية الاجناس والحق الأيديولوجي فى حكم العالم كانت هي نفسها هي المحرك لهتلر والحزب النازي ثم أصبحت المحرك لهزيمة وانتحار ألمانيا والنازية.

 

و هو يرى أن الفكر المنغلق المتعصب المتجمد هو الذي أدى إلى قصور هتلر والنظام الديكتاتوري الألماني عن ترجمة الانتصارات الضخمة الأولية إلى حقائق سياسية دائمة على الأرض وهو يرى أن لولا الفكر النازي لكان من الممكن الوصول بالحرب إلى انتصار مؤزر لألمانيا وإلى ترجمة تفوقها العلمي والتكنولوجي إلى واقع سياسي على الأرض له ديمومة وجذور ومتابعة وتطور.

 

من رحمة الله سبحانه وتعالى أن الفكر الجامد المتعصب يحمل فى ذاته بذور العنف وهذا طبيعي ومنطقي ولكن غير واضح للجميع أنه يحمل فى ذاته أيضاً بذور هزيمته.

 

من أهم بذور الهزيمة ما يحمله الفكر الجامد المتعصب المنغلق من تعالي على الآخرين ومن إيمان يتحول إلى يقين أنني ومن معي من المجموعة والجماعة متفوقون على من هم ليسو منا وبالتالي لنا الحق فى السيادة عليهم وفي السيطرة والتحكم بهم وإرشادهم إلى الصواب الذي ليس لهم طريقة لاستعماله بدون نحن المتفوقون العارفون بالحق والحقيقة وكما قلنا وكررنا تفاقمت الكارثة حينما نكون العارفين بالحق باجتهاد بشري إلا العارفون كتنزيل إلهي وكلام رباني وكمفوضين وممثلين لإرادة الله التي هي فوق إرادة كل بشر.

 

بكل مأساوية نجد أن مجتمعات الإسلام دين الرحابة والتعددية والقبول للبشرية جمعاء الدين الذي جاء رحمة للعالمين والذي جاء متكاملاً مع كل الأديان الاخرى على مر التاريخ للوصول إلى الروحانيات ومعرفة الله الواحد الأحد هذا الدين الرحب الذي يحمل من الحكمة التي تنقلها بوضوح القراءة المتمعنة فى كتابه الحكيم والذي يفرق فيه الحكيم بين الآيات المرتبطة بالكفاح والحرب والآيات الأصيلة التي لها الهيمنة على كل شيء والتي يقول عنها فقهاء الدين الإسلامي أنها نورانية ومن تحت العرش مباشرة مثل سورة الفاتحة ومثل خواتيم سورة البقرة.

 

حاول البعض ممن انزلقوا فى حلزون الإسلام السياسي حول الاسلام إلى أيديولوجية لا تفترق بل تتوازى مع الفكر النازي والفكر الصهيوني منه تعتقد بل وترمن من أنها تحمل وتمثل الإرادة الإلهية وتحمل القدرة والحق والتفويض فى إعمال إرادة الله على الأرض بل يتوجب عليها بذلك ولذلك حكم العالم كله فى صورة خلافة إسلامية تشمل العالم كله وتنيره على حسب رؤيتهم الخاصة التي لا يعرفها غيرهم لما كان هتلر يرمي إلى السيطرة على العالم كله ,ينقله نقلة نوعية إلى تفوق الجنس الآري ولتفوق القدرات الألمانية فى العلوم والفنون والتكنولوجيا مثلما يرى غولات الصهيونية أن إرادة الله لا تتم فى الأرض إلا بانصياع كافة الأمم والأديان تحت القيادة والسيطرة اليهودية حيث الشعب الوحيد والجماعة الوحيدة التي تعرف إرادة الله والتي أظهر الله لها قدرته بطريقة مباشرة.

 

نتكلم هنا عن مرض الفكر الأحادي المتجمد الغير قابل للنقاش الذي يتحرك باقتناع إلى إيمان ثم إلى اليقين ثم إلى التعصب العنيف بالضرورة ونتساءل كيف يكون العلاج من مخاطر ظاهرة من أسوأ الظواهر التي أصابت البشرية نحو اللا عنف والحياة العادلة المستقرة للجميع.

 

وهنا أحيل إلى برنامج الحلفاء الذي طوروه للمجتمع الألماني بعد الكارثة التي لحقت ألمانيا والعالم الفكر النازي بتوجهاته العنيفة والمدمرة حيث تضافرت علوم الاجتماع والعلوم النفسية والعلوم السياسية والاقتصاديين والخبراء من كل الأنواع لعمل برامج جادة تطبق بكل حزم وعزم ومراجعة لتحقيق الشفاء للمجتمع الألماني من ظاهرة النازية وسموا هذا البرنامج De-Natzification program وطبخ هذا البرنامج على جبهات واسعة وبكل دقة وصرامة وحسم كما تحركت السلطة القضائية لتتناغم مع هذا البرنامج بكل حسم ووضوح وأعمال لقوى العدالة بدون الإخلال بمطالب السرعة والحسم ولا نقلل من أهمية المشاركة الفنية والأدبية مع الحلفاء والمؤرخين فى تاريخ وفضح جرائم أصحاب الفكر النازي وأمثالهم من أصحاب الفكر الأحادي المتجمد ويراعى هنا نقطة بالغة الأهمية بأن مشاركة القضاء الأساسية ليس فيه إلحاق العقاب بالأفراد المدانين فقط ولكن الأمر الذي نرى أننا نغفله عندنا إغفالاً كبيراً أن المحاكمات العلنية وفضح انحراف أصحاب الفكر الأحادي الجامد وهو انحراف وفساد مع بعض التحليل المنطقي المثابر نجد أنه لا ينفصل عن الفكر الأحادي الجامد المتعالي على الآخرين.

 

إذن ,لمواجهة كارثة الإسلام السياسي أو تسييس الدين ,وبانبثاق آليات فاشية دينية فى العالم تحتاج تضافر كل الجهود من كل الأطراف التي تؤمن بالتعددية وبسورة الفاتحة وبخواتيم سورة البقرة.

Comments