News

هل هناك حضارة عربية

طارق علي حسن
Ghandi
5-November-2018

هل هناك حضارة عربية ؟

 

إني أطالب الباحثين الجادين وطلبة الجامعات الذين يملأون الأرفف المتربة برسائل الماجستير والدكتوراة فيما لا يزيد ولا يفيد المجتمع إلا في مجال به وزن حقيقي. أدعو هؤلاء إلى التركيز على الإجابة الموضوعية والعلمية على هذا السؤال والتساؤل وعلينا أن نصل إلى توصيف العرب وما الذي نعنيه بالعرب.

فقد انسقنا منذ النصف الثاني من القرن العشرين في دوامات العروبة وتمجيد العروبة وتمجيد انتماءاتنا العربية دون أن نعي أدنى عناية بتعريف من هم العرب؟ وما هي العروبة.

وقد ظللنا في تخدير القومية العربية والعروبة كالسكارى تماماً حتى بان لنا مع دخول العلم إلى القرن الواحد والعشرين أن العرب يتميزون بالفرقة وبغياب الأبعاد الحضارية وبغلبة الأبعاد التجارية كما يتميزون بالفرق الهائل بين الادعاء والحقيقة.

وبالمناسبة كنت أتجول في برنامج youtube الشهير بحثاً عن فقرات خاصة ترفع عن كاهلي ثقل العهد القريب الذي نعيشه فوجدت قسم كاميرا خفية عربية كليب يلخص لنا ببلاغة شق هام من الثقافة العربية. فها هو مخطط البرنامج يتنافس مع صبي عربي نمطي ويسأله :

مخطط البرنامج :       هل تخاف من الأسد؟

الصبي         :       لا لا أبداً .

مخطط البرنامج :       وإذا هجم عليك أسد فماذا تفعل ؟

الصبي         :       بكل جرأة وشجاعة أمسك به هكذا وأقطعه تقطيعاً.

مخطط البرنامج :       هل تخاف من الفهد؟

الصبي         :       طبعاً لا؟

مخطط البرنامج :       هل تخاف من النمر؟

الصبي         :       طبعاً لا.

ثم يخطط مصور البرنامج الخبيث لكي يطلق مساعده سحلية تمر في الخيمة المزركشة، وما أن يراها الصبي الهمام الذي سيمزق الأسود والفهود والنمور حتى يقفز صارخاً باكياً إلى حضن الرجل باكياً منكمشاً ... إلحقيني يا اما .. إلحقيني يا اما ... إلحقنيني

الرجل يطمئنه إنها مجرد سحلية لا ضرر منها.

لا أدري لماذا يذكرني هذا الكليب الفكاهي بمواقف عديدة ومتكررة من مواقف العرب أصبح لها في أمثالنا مكان دال "جعجعة بلا طحن" ، "تمخص الجبل فولد فأراً" ، "كما فاكرين تحت القبة شيخ" ، "يجعل من الحبة قبة ومن القبة حبة".

ونعود إلى تساؤل من هم العرب؟

ويأتي الخطأ الأتوماتيكي من خلط العرب ومعظمهم تجمعات قبلية لم تعرف الحضارة ولم تمارسها بل رفقتها اختياراً للبداوة والقبلية وحرية الكر والفر والتحلل من القوانين حتى اعتنقت هذه القبائل الدين الإسلامي الحنيف اختياراً أو كرهاً. وأخذها الإسلام الحنيف بما احتوى في تنزيله الحكيم على قفزة حضارية هائلة للبشرية جمعاء.

أخذ الإسلام هذه القبائل البدائية إلى أغلب أنحاء المعمورة المعروفة أنذاك لتندفع رسالة الحكمة والحرية والعدل التي جاء بها الإسلام إلى أكبر وأقوى وأعمق حضارات الأرض آنذاك فتتواصل هذه الحضارات العظيمة مع الرسالة الإسلامية لتزدهر على مستوى العالم كله وتعطي للعالم فترة من أزهى عصور الاستنارة والعطاء في مسيرة البشرية نحو الحرية والعدل.

ويقودنا الكلام مرة أخرى إلى أن الحضارات الكبرة نمت على مسار الأنهار العظيمة وترعرعت وترسخت مع الزراعة ، وليس من القبلية ولا مع حياة الكر والفر والسلب والنهب. فكانت الحضارات المصرية وحضارة الرافدين وحضارات الهند وفارس والصين.

ولما وصلت الشعلة الإسلامية تحمي الحرية والعدل والإنسانية إلى هذه الحضارات العظيمة ولدت لنا حضارة هائلة امتدت لتسطع بنورها على أوربا وأعطت ثراءاً وإنتاجاً حضارياً ترك وسيترك بصمة حضارية إلى الأبد ما بقيت الإنسانية

إذاً الكلام عن الحضارة العربية يحتاج إلى دراسة ومراجعة ونرى أننا بصدد حضارة إسلامية ولم يكن العرب قد وصلوا للحضارة بعد، وتثبت الأحداث الأخيرة أنهم لم يصلوا للحضارة وأن هذه حقيقة واقعة لا تزال ملموسة وأليمة.

وعلينا من أجل الخروج من هذا المأزق أن نفرق جيداً بين ما نسميه الحضارة العربية والعروبة الغير موجودة والحضارة الإسلامية العظيمة التي أثارت العالم كله في عصر الظلم وحافظت على شعلة الاستنارة عبر العصور القديمة والوسطى لتسلمها إلى عصر النهضة والعصر الحديث وهو فضل لا ينكره أي جاحد مغالط.

وكانت أحداث النصف الثاني من القرن العشرين أقوى دليل على نظريات وافتراضات غياب الحضارة العربية وتهافت مفهوم العروبة فهو مفهوم يثير من العناء والحماس والرفض بالسيوف والجعجعة والصراخ الحماسي التشنج أكثر بكثير مما يثير  العمل ومن الرؤية والاستراتيجية الناضجة.

وسيضحك العالم يوماً ليس ببعيد على العرب والعروبة حين دفعهم كرههم وشكهم في بعضهم البعض إلى استدعاء الاستمعار من جديد لبلادهم وإلى دعوة الأعداء التقليديين لهم ليدمروا بلداً أو وطناً من أقوى بلادهم وأكثرها ثرءاً وقدرة. ثم سيضحك العالم تاريخياً على العرب والعروبة ولديهم كل مقومات القوة الكامنة الذين لم يستطيعون أن يواجهوا خطط الوكالة الصهيونية والعصابات الأهلية الصهيونية في أول الأمر وكان كلامهم وطبلهم وزمرهم وتهديداتهم كلها جوفاء بلا أبعاد حضارية أو استراتيجية كانت لها أكبر حليف لأعدائهم ليضربوهم بلا رحمة أو هوادة وليمارسوا فيهم ما مارسوا من مذابح مبررة بتهديداتهم الحماسية الجوفاء.

أفلا تكفي هذه الأحداث لنراجع مفهوم العرب والعروبة ؟

وهل العربي هو من يلبس جلابية وعقال وشماخ ويطعن صديقه في الظهر أو يخون القبيلة المتحالف معها وسط المعركة أو يقابل جاره بالقبلات والأحضان بينما يتواطأ مع العدو لغزوه وخيانته.

عرفونا بالله عليكم ما هي العروبة؟ ومن هم العرب ؟ وما هي الحضارة العربية التي نرى أنها غير موجودة ولم تكن موجودة. وأن كل ما نرتع في ظلاله ونستحليه من أمجاد هي حضارة إسلامية.

 

 

Comments